قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

ورد في توحيد الصدوقS بسنده عن أبي عبد اللهg قال: >من همّ بحسنةٍ فلم يعملها، كتبت له حسنةٌ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ويضاعف الله لمن يشاء إلى سبعمائةٍ. ومن همّ بسيّئةٍ، فلم يعملها، لم تكتب عليه حتّى يعملها، فإن لم يعملها كتبت له حسنةٌ بتركه لفعلها، وإن عملها أجّل تسع‏ ساعاتٍ‏، فإن تاب وندم عليها لم تُكتب عليه، وإن لم يتب ولم يندم عليها كتبت عليه سيّئةٌ<.

ما هو مقدار الساعة الواردة في هذا النصّ؟ 


بسم الله الرحمن الرحيم

المقصود من >تسع ساعات< الإشارة إلى مقدار يُقارب ثلاثة أرباع النهار أو ثلاثة أرباع الليل أو ما يناظرهما تلفيقاً، مع الالتفات إلى أنّ الأكثر وروداً في الأخبار كون مقدار التأجيل >سبع ساعات< أي نحو ما يزيد عن نصف النهار أو الليل بساعة، وبيانه: 

الساعة لغةً

الساعة في أصل اللغة جزء من أجزاء الزمان[1]، أو قل: هي جزء من أجزاء الليل والنهار[2]، وكثيراً ما تستعمل في القرآن الكريم وأخبار أهل البيتi منكّرة، فيقصد منها مقدار قليل من الوقت كاللحظة، قال تعالى: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَل فَإِذَا جَاءَ أجَلُهُم لَا يَستَأخِرُونَ سَاعَة ولَا يَستَقدِمُونَ﴾[3]، و﴿ويَومَ يَحشُرُهُم كَأَن لَّم يَلبَثُواْ إلَّا سَاعَة مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُم قَد خَسِرَ الّذِينَ كَذَّبُواْ بلِقَاءِ الله ومَا كَانُواْ مُهتَدِينَ﴾[4]، و﴿قُل لا أَملِكُ لِنَفسِي ضَرّاً وَلَا نَفعًا إلَّا مَا شَآءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذَا جَآءَ أجَلُهُم فلَا يَستأخِرُونَ سَاعَةً ولَا يَستَقدِمُونَ﴾[5]، و﴿لَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النّاسَ بظُلمِهِم مّا ترَكَ عَلَيهَا مِن دَابَّة ولكِن يُؤَخِّرُهُم إلَى أجَلٍ مُّسَمّى فإذَا جَآءَ أجَلُهُم لَا يَستأخِرُونَ سَاعَة ولَا يَستَقدِمُونَ﴾[6].

وعليه يُحمل ما يروى من أنّ الإمام أطرق ساعةً[7]، وما شاكل هذا التعبير، ومثله ما روي عن أبي جعفرg: >لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعةً لَمَاجَت بأهلها كما يموج البحر بأهله<[8]، وتحديد مقدار القلّة وأنّه لحظة أو لحظات يتبع مناسبات الحكم والموضوع، ففي مثل >أطرق ساعةً< يفهم أنّ المقصود أنّهg سكت وقتاً معتدّاً به بحيث كان هذا الوقت مُلْفِتاً للراوي كي ينقل وقوعه، بخلاف حديث رفع الإمامg من الأرض ساعةً، حيث المقصود الإرشاد إلى عدم خلوّ الأرض من الحجة مطلقاً ولو للحظة، وقد يُقصد منها مطلق الوقت بغض النظر عن مدّته كما في قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ الّذِينَ اتّبعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِّنهُم ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم إِنَّهُۥ بِهِم رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾[9].

وإذا دخل عليها كلمة (كلّ) ـ مثلاً ـ قصد منها أيّ وقت، كما ورد عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: >تصلّى على الجنازة في كلّ ساعةٍ<[10]، الحديث، أي في كلّ وقت من أوقات اليوم، فلا وقت يُنهى فيه عن صلاة الميت.

هذا، وتستعمل الساعة معرّفة فيقصد منها الوقت المعهود أو ما كان قريب الوقوع كما ورد في جواب قوله: >متى عهد بصاحب الكتاب؟ قال: الساعة<[11] أي عمّا قريب، ومثله في الدعاء على العدو يُقال: >وعجّل ذلك يا ربّ الساعة الساعة<[12]، ولدلالة لام التعريف على الوقت المعهود أُطلقت ـ والله يَعلم ـ الساعة على يوم القيامة في آيات كثيرة، قال الله تعالى: ﴿اقتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ﴾[13]، ﴿وَمَا خَلَقنَا السَّماوَاتِ والأرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلَّا بالحقِّ وإنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ﴾[14]، ﴿قُل مَن كَانَ فِي الضَّلالةِ فليَمدُد لَهُ الرَّحمنُ مَدّاً حتَّى إذَا رَأواْ مَا يُوعَدُونَ إمَّا العَذَابَ وإمَّا السَّاعَةَ فسَيَعلَمُونَ مَن هُوَ شَرّ مَّكَاناً وأضعَفُ جُندا﴾[15]، ﴿وإذَا قِيلَ إنَّ وَعدَ الله حَقّ والسَّاعَةُ لَا رَيبَ فِيهَا قُلتُم مَّا نَدرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إلَّا ظَنّاً وَمَا نَحنُ بمُستَيقِنِينَ﴾[16]، ﴿إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أكَادُ أُخفِيهَا لِتُجزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا تَسْعَىٰ﴾[17]، ﴿وقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُل بَلَى ورَبِّي لتَأتِيَنَّكُم عالِمِ الغَيبِ لَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلَا فِي الأرْضِ ولَا أصْغَرُ مِن ذلِكَ وَلا أكْبَرُ إلّا فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾[18] إلى غير ذلك من الآيات، وفي وجه إطلاق الساعة على يوم القيامة أقوال أُخر ليست محلّ بحثنا.

الساعة في الاصطلاح العرفي

هذا من حيث الأصل اللغوي لهذه الكلمة، لكن العرب كسائر الأمم في تلك الأوقات كانوا قد التفتوا إلى تقسيم ساعات النهار والليل من أجل ضبط شؤون معاشهم، وقد أُثر منذ ما قبل الميلاد (وينسب إلى الفراعنة) تقسيم اليوم والليلة إلى 24 ساعة، لكن مع جعل ساعات النهار 12 وساعات الليل كذلك بغض النظر عن مدى طول الليل والنهار، والطريقة المتعارفة لتحديد هذه الأوقات المناسبة للواقع الاجتماعي ليس إلاّ ملاحظة حركة الشمس في النهار والنجوم في الليل.

والأوّل واضح، ويشهد على الثاني ما روي عن عمر بن حنظلة أنـّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له: >زوال الشمس نعرفه بالنهار، كيف لنا بالليل؟ فقال: لليل زوال كزوال الشمس، قال: فبأيّ شيء نعرفه؟ قال: بالنجوم إذا انحدرت<[19]

وقد نقل الثعالبي (م429هـ ق) عن بعضهم تسمية تلك الأوقات، فقال عند تعداده لساعات الليل والنهار: >ساعات النهار: الشروق‏، ثم‏ البكور، ثم‏ الغدو، ثم‏ الأضحى‏، ثم‏ الهاجرة، ثم‏ الظهيرة، ثم‏ الرّواح‏، ثم‏ العصر، ثم‏ الأصيل‏، ثم‏ القصر، ثم‏ العشيّ،‏ ثم‏ الغروب‏.

ساعات الليل: الشفق‏، ثم‏ الفسق‏، ثم‏ العتمة، ثم‏ السّدفة، ثم‏ الجهمة، ثم‏ الزّلّة، ثم‏ الزّلفة، ثم‏ البهرة، ثم‏ السّحر، ثم‏ الفجر، ثم‏ الصبح‏، ثم‏ الصباح‏<[20]. وهذا التقسيم مبني على جعل الصبح -ساعة طلوع الفجر -من الليل، وهي مسألة خلافية كما نوضحه عمّا قريب.

وقد روى الشيخ أبو جعفر الطوسيS أدعية ساعات النهار من دون أن يسمّي تلك الساعات، فالساعة الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية من طلوع الشمس إلى ذهاب الحمرة، والثالثة من ذهاب الشعاع إلى ارتفاع النهار، والرابعة من ارتفاع النهار إلى زوال الشمس، والخامسة من زوال الشمس إلى أربع ركعات، والسادسة من أربع ركعات بعد الزوال إلى صلاة الظهر، والسابعة من صلاة الظهر إلى أربع ركعات قبل العصر، والثامنة من أربع ركعات بعد الظهر إلى صلاة العصر، والتاسعة من صلاة العصر إلى أن تمضي ساعتان، والعاشرة من ساعتين بعد صلاة العصر إلى قبل اصفرار الشمس، والحادية عشر من قبل اصفرار الشمس إلى اصفرار الشمس، والثانية عشرة من اصفرار الشمس إلى غروبها[21]

ومن غير الواضح أنّ هذا هو التقسيم المتعارف بين الناس للساعات، وإلّا فما معنى تحديد الساعة التاسعة بأن تمضي ساعتان، فلعلّه تعبّد خاصّ نقله من بعض الكتب، وهو مرتبط حصراً بباب الأدعية، وقد نبّه العلامة المجلسي على عدم وجدانه لسند لتلك الأدعية[22].

ومن هنا تقع الصعوبة في تحديد هذه الساعات بدقّة، فما نقله الثعالبي مبني على جعل ما قبل الشروق من الليل، وما نقله الشيخ أبو جعفر الطوسيS ليس لبيان تقسيم الساعات التي هي للبناء العرفي العامّ، وهو يناظر ما روي عن أبي عبد اللهg قال: >إنّ لله عزّ وجلّ ثلاث ساعاتٍ في اللّيل وثلاث ساعاتٍ في النّهار يمجّد فيهنّ نفسه، فأوّل ساعات‏ النّهار حين تكون الشّمس هذا الجانب يعني من المشرق مقدارها من العصر يعني من المغرب إلى الصّلاة الأولى، وأوّل ساعات اللّيل في الثّلث الباقي من اللّيل إلى أن ينفجر الصّبح‏<[23]، الحديث.

نكات تستفاد من مجموع الروايات

لكن يمكن لمن لاحظ مجموع الأخبار أن يستخلص بعض النكات المعينة في المقام: 

أوّلاً: نصف النهار هو الزوال، ولذا نبّه أهل البيتg على أنّ الصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلَاةِ الوُسطَى وقُومُواْ لله قَانتِيْنَ﴾[24] هي صلاة الظهر؛ باعتبارها واقعة في وسط النهار، وقد ورد بسند معتبر عن أبي جعفرg أنـّه قال: >هي صلاة الظّهر، وهي أوّل صلاةٍ صلاها رسول اللهe، وهي وسط النّهار، ووسط الصّلاتين بالنّهار صلاة الغداة وصلاة العصر<[25]، وفي بعض القراءات المنسوبة لعائشة وغيرها: >﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلواتِ والصَّلَاةِ الوُسطَى﴾ وصلاة العصر<، فعطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، وقد اهتم شيخنا الصدوق (قدس سره) بنقل هذه الأخبار[26]، وهي مثبتة في جملة من كتب العامّة[27]، وفي بعضها من دون العطف بالواو.

ثانياً: يؤكّد ذلك الخبر على أنّ الغداة من النهار كما هو المعروف بين الأعلام، فأوّل ساعة من ساعات النهار عند طلوع الفجر، خلافاً لِمَا يُقال من ابتداء النهار بطلوع الشمس، وقد استفصل صاحب الجواهرO في بيان هذه المسألة[28]، ويمكن الاستشهاد عليها بشواهد كثيرة، نذكر منها:

1. قوله تعالى: ﴿فاصبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وسَبِّح بحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُرُوبِهَا ومِنْ آناءِ اللَّيْلِ فسَبِّح وأطرَافَ النَّهَارِ لعَلَّكَ تَرضَى﴾[29]، فإنّ ظاهر الآية كون ما قبل طلوع الشمس غير آناء الليل وساعاته - وآناء الليل جميع ساعاته[30] - كما يقتضيه العطف الظاهر في المغايرة.

2. أنّ أوّل النهار هو الصبح كما يظهر من جملة من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَٱلَّيلِ إِذَا عَسعَسَ * وَٱلصُّبحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾[31]، و﴿واللَّيْلِ إذ أدْبرَ * والصُّبحِ إذَا أسْفَرَ﴾[32]، فالصبح يبدأ عند عسعسة وإدبار الليل، وإذا كان كذلك، فإنّ الصبح هو الفجر، فقد ورد في حكم الحائض: >ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر<[33]، وتسمّى صلاة الفجر بصلاة الصبح[34]، وهو المذكور في بعض كتب اللغة القديمة[35].

ويؤكّد هذا المعنى أنّ الصبح في أصل اللغة هو لون من الألوان، قالوا: أصله الحمرة[36]، فنهاية الليل عند تغيّر لون السماء، وذلك بطلوع الفجر، حيث يبدأ بروز الضوء فيها، لا عند طلوع الشمس، ولذا قال تعالى: ﴿وجَعَلنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيتيْنِ فمَحَونَآ آية اللَّيْلِ وجَعَلنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبصِرَةً﴾[37].

3. أنّ التعبير الشائع منذ زمن النصّ إلى يومنا هذا قولهم: >فلان يقوم ليله ويصوم نهاره<[38]، والصيام من عند طلوع الفجر إلى الليل، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم هُنَّ لِبَاس لَّكُم وأنتُم لِبَاس لهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكُم كُنتُم تَختَانُونَ أَنفُسَكُم فتَابَ عَلَيكُم وَعَفَا عَنكُم فالآن بَاشِرُوهُنَّ وابتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُم وكُلُواْ واشرَبُوا حَتَّى يَتبيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ[39]، فليلة الصيام يحلّ فيها الرفث، والصيام يبدأ من الفجر إلى الليل، والغاية هنا خارجة عن المغيى بالضرورة، ولك أن تستأنس لذلك بما ورد من بيان منتهى ليلة القدر في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجْرِ﴾[40].

إلى غير ذلك من الشواهد التي يطول ذكرها، وبمجموعها يفسّر قوله تعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وزُلَفا مِّنَ اللَّيْلِ﴾[41]؛ فإنّ طرف الأوّل هو أوّل النهار، وهي صلاة الصبح كما حدّدتها الأخبار[42]، بخلاف طرفه الثاني فإنـّه ـ كما في نفس هذه الروايات ـ عند الغروب حيث ابتداء الليل، فليدقق. 

نعم، لا إشكال في أنّ هناك اصطلاحاً خاصّاً كان يجعل ما بين الفجر والشروق وما بين الغروب وذهاب الحمرة خارجين من ساعات الليل والنهار، لكنّه بحسب الظاهر نحو اصطلاح عند بعض أهل الكتاب، فعن أبي جعفرg حيث سأله بعض النصارى عن ساعة ما هي من الليل ولا من النهار، قالg: >ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، فقال النّصرانيّ: فإذا لم تكن من ساعات اللّيل ولا من ساعات النّهار، فمن أيّ السّاعات هي؟ فقال أبو جعفرٍg: من ساعات الجنّة، وفيها تفيق مرضانا<[43]، وهذا الحديث مما يؤكّد عدم تعارف كون الفجر لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار، وأنـّه حساب خاصّ، وإلاّ لم يكن هناك حاجة للسؤال عنه في ضمن تلك المسائل العويصة.

وعلى هذا الأساس جعلت الركعات الواحد والخمسين، فقد روي عن أبي عبد اللهg حين سئل عن الخمسين والواحد ركعة المجعولة في كلّ يوم، قالg: >إنّ ساعات‏ النّهار اثنتا عشرة ساعةً، وساعات اللّيل اثنتا عشرة ساعةً، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس ساعةٌ، ومن غروب الشّمس إلى غروب الشّفق غسقٌ، ولكلّ ساعةٍ ركعتان وللغسق ركعةٌ<[44].

قال العلامة المجلسيS: >عدم‏ إدخال الساعتين في الليل والنهار مبني على اصطلاح خاصّ كان عند القدماء وأهل الكتاب، ونقل أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي عن براهمة الهند أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك بينهما<[45]، ونقل في موضع آخر عن الميردامادO ما يوافق هذا المعنى مع التأكيد على أنّ ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، وما عليه العمل عند أصحابنا (رضي الله تعالى عنهم) إجماعاً هو أنّ زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار، ومعدود من ساعاته، وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فإنّ ذلك غروبها في أفق الغرب، فالنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي سائر الأبواب من طلوع الفجر إلى ذهاب الحمرة المشرقيّة[46].

ثالثاً: بعدما ثبت أنّ الغداة هي أوّل ساعة من النهار، فما نريد التنبيه عليه أنّ الزوال هي الساعة السادسة أو قل: وقت شروع الساعة السادسة، وهي وسط النهار تقريباً أو عرفاً بلحاظ ملاحظة حركة الشمس ما بين طلوع الشمس وغروبها، كما أنّ طلوع الفجر هو وقت شروع الساعة الأولى من ساعات النهار، ويشهد على ذلك ما روي عن أمير المؤمنينg حيث اتفق في سنة من سنين أيامه الجمعة والغدير، فصعد المنبر على خمس ساعات من نهار ذلك اليوم[47]، ثم وبعدما أنهى خطبته المباركة خطب خطبة الجمعة، وصلى بعد ذلك، فالساعة الخامسة هي الساعة التي تكون قبل الزوال، فالزوال هي الساعة السادسة.

وعلى هذا المنوال وبمقتضى المقابلة يمكن أن يُقال: إنّ منتصف الليل هي الساعة السادسة من الليل.

رابعاً: من جميع ما تقدّم يعلم كون المقصود من (تسع ساعات) الوراد في الحديث ليس إلاّ ما نحو ثلاثة أرباع النهار أو الليل أو ما يناظرهما تلفيقاً، وهو أمر غير منضبط، بل يختلف باختلاف الشتاء والصيف، ولا بأس بذلك، فلا يتساهل العاصي في المبادرة إلى التوبة.

تنبيه على اختلاف الأخبار

وفي الختام ننبه على أنّه قد رود في جملة من الأحاديث وهي أكثر عدداً تحديد الساعات التي يؤجل إليها كتابة الذنب >سبع ساعات<[48]، أي ما يزيد عن نصف النهار أو الليل بمقدار ساعة، وقد عقد الحرّ العامليS في الوسائل باباً بعنوان: >وجوب الاستغفار من الذنب والمبادرة به قبل سبع ساعات<[49]، ويحتمل أن تكون (تسع) تصحيف (سبع)، فتكون المشكلة في النسخة التي ينقل عنها الشيخ الصدوقS حيث أثبت التسع في كلا الكتابين[50]، والله يعلم.  

وأيضاً مما نلفت النظر إليه أنّه قد روي بسند معتبر عن زرارة قال: >سمعتُ أبا عبد اللّهg يقُولُ‏: إنّ العبد إذا أذنب ذنباً أُجّل من‏ غُدوةٍ إلى‏ اللّيل‏، فإن استغفر اللّه لم يُكتب عليه<[51]، وهذا الحديث على ظاهره يخالف ما تقدّم، حيث جعل وقت التوبة موسعاً إلى تمام وقت النهار.

ومن هنا علّق عليه العلامة المجلسيS بقوله: >ويمكن أن يكون زمان التأجيل متفاوتاً بحسب تفاوت الأشخاص والأحوال والذنوب، أو يكون المراد بالغدوة قبل الزوال أو بالليل ما قرب منه، فلا ينافي أخبار السبع ساعات، وقيل: لم يحسب فيه ساعات النوم. 

ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار التوبة بشرائطها وأن يكون محض طلب المغفرة وهو أظهر، وقد يقال: الفرق بين التوبة والاستغفار أن التوبة ترفع عقوبة الذنوب، والاستغفار طلب الغفر والستر عن الأغيار كيلا يعلمه أحد ولا يكون عليه شاهد<[52].

أقول: وما ذكره من احتمال أن يكون المراد من الغدوة قبل الزوال أمر معقول، لا سيّما بعد ملاحظة ما تقدّم نقله عن الثعالبي، الذي جعل الغدو بعد الشروق والبكور، فيكون (الغدو) -بناءً على جعل الفجر الساعة الأولى- الساعة الرابعة، فيقرب الحديث من التقدير بالسبعة، فليدقق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المفردات، ص434.

[2] لسان العرب، ج8، ص169.

[3] الأعراف، 34.

[4] يونس، 45.

[5] يونس، 49.

[6] النحل، 61.

[7] الكافي، ج1، ص240.

[8] الكافي، ج1، ص179.

[9] التوبة، 117.

[10] الكافي، ج3، ص180.

[11] الكافي، ج1، ص295.

[12] الكافي، ج2، ص512.

[13] القمر، 1.

[14] الحجر، 85.

[15] مريم، 75.

[16] الجاثية، 32.

[17] طه، 15.

[18] سبأ، 3.

[19] من لا يحضره الفقيه، ج1، ص227.

[20] فقه اللغة، ص343.

[21] مصباح المتهجد، ج2، ص512 _ 517.

[22] بحار الأنوار، ج83، ص339.

[23] الكافي، ج2، ص515.

[24] البقرة، 238.

[25] الكافي، ج3، ص271.

[26] معاني الأخبار، ص331.

[27] انظر: جامع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص343، والكشاف، ج1، ص287.

[28] الجواهر، ج7، ص219 وما بعدها.

[29] طه، 130.

[30] كما في كتاب العين، ج8، ص400.

[31] التكوير، 17 و18.

[32] المدثر، 33 و34.

[33] الكافي، ج3، ص90.

[34] انظر: الكافي، ج3، ص283، و294، وج5، ص342.

[35] كما في كتاب العين، ج3، ص126.

[36] معجم مقاييس اللغة، ج3، ص328.

[37] الإسراء، 12.

[38] لاحظ: الكافي، ج1، ص512، وج5، ص494.

[39] البقرة، 187.

[40] القدر، 5.

[41] هود، 114.

[42] انظر: تفسير العياشي، ج2، ص161، الكافي، ج3، ص271، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص196.

[43] الكافي، ج8، ص123.

[44] الكافي، ج3، ص487.

[45] بحار الأنوار، ج56، ص1 و2.

[46] بحار الأنوار، ج79، ص260.

[47] مصباح المتهجد، ج2، ص752.

[48] انظر: كتاب الزهد، ص69 _ 71، قرب الإسناد، ص2، الكافي، ج2، ص430، و437.

[49] وسائل الشيعة، ج16، ص64.

[50] التوحيد، ص409، والخصال، ج2، ص418.

[51] الكافي، ج2، ص437.

[52] مرآة العقول، ج11، ص306.

مشاركة: