قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

السؤال: ما المقصود من قولهg: >موظّف< و>ليلة الصكاك< فيما رواه الصدوق عن محمّد بن إسحاقO قال: حدّثنا أحمد بن محمّدٍ الهمدانيّ، عن عليّ بن‏ الحسن بن فضّالٍ، عن أبيه قال: >سألت عليّ بن موسى الرّضاg عن ليلة النّصف من شعبان؟ قال: هي ليلةٌ يعتق الله فيها الرّقاب من النّار، ويغفر فيها الذّنوب الكبائر. قلت :فهل فيها صلاةٌ زيادةً على سائر اللّيالي؟ فقال: ليس فيها شي‏ءٌ موظّفٌ،‏ ولكن إن أحببت أن تطوّع فيها لشي‏ءٍ، فعليك بصلاة جعفر بن أبي طالبٍg، وأكثر فيها من ذكر اللهa، ومن الاستغفار، والدّعاء، فإنّ أبيg، كان يقول: الدّعاء فيها مستجابٌ. قلت له: إنّ النّاس يقولون إنّها ليلة الصّكاك، فقالg: تلك ليلة القدر في شهر رمضان<.


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجواب: كلمة >موظّف< مشتقّة من مادّة >وظف<، وهي في اللغة تستعمل في التقدير، فالوظيفة في كلّ شيء: ما يقدّر فيه من رزق أو طعام أو علف أو شراب[1]، فهذه المادّة بحسب أصلها اللغوي تدلّ على تقدير شيءٍ[2].

وقد شاع استعمال هذه المادّة في جملة من الأخبار بهذا المعنى، فالموظّف ليس إلاّ بمعنى ما قدّره الله تعالى أو قل: ما جعله الله تعالى من حكم خاصّ على هذا الموضوع أو ذاك، فإن كان الموضوع وجوباً لم يجز تجاوز ما هو موظّف، كما يعطيه فهم زرارة للمسألة عندما سأل الإمام عن حكم الجزية، فقال كما في الحديث المعتبر: >قلت لأبي عبد اللهg: ما حدّ الجزية على أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شي‏ءٌ موظّفٌ‏ لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره...<[3]، فالموظّف هو المقدّر الذي لا يتجاوز، وأمّا عدم التوظيف فيقتضي إرجاع الأمر إلى مشيئة الحاكم مثلاً، ولذا ورد في جواب هذا السؤال، قولهg: >ذاك إلى الإمام أن يأخذ من كلّ إنسانٍ منهم ما شاء على قدر ماله بما يطيق<[4].

ومن هنا تجد الجمع بين كلمتي >موظّف< و>موقّت< في الأخبار، فقد روي في ضمن حديث طويل أنّ صدقة أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسمه بينهم بالسّويّة، وإنّما يقسمه على قدر ما يحضره منهم، وما يرى، وليس عليه في ذلك شي‏ءٌ موقّتٌ موظّفٌ‏، وإنّما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضره منهم[5]، بل التعبير بـ>شيء موقّت< و>شيئاً موقتاً< هو الأكثر شيوعاً الأخبار[6].

والموقّت في اللغة يطلق ويراد منه المفروض والمقدّر، فإنّ مادّة >وقت< وإن شاع استعمالها في مقدار من الزمان، لكنّها بحسب أصلها عامّة لكلّ شيءٍ قدّر له غاية أو حين[7]، ولا يعتبر في دلالتها اللغوية الزمان، بل تدلّ على حدّ الشيء في زمان وغيره.

وإن شئت قلت: المائز بين الموظّف الموقّت وغيره، هو في كون ثبوت خصوصيّة شرعيّة إمّا بعنوان اللزوم أو بعنوان السنّة المؤكّدة التي لا ينبغي تركها، ويقابلها غير الموظّف الذي من خصوصياته أن يترك الأمر فيه إلى المكلّف، فليس له كمّ[8]، بل يصنع في ذلك ما يرى[9]، ومن لطائف الأخبار ما روي عن إسماعيل بن الفضل، قال: >سألت أبا عبد اللهg عن القنوت، ما يقال فيه؟ فقال: ما قضى الله على لسانك، ولا أعلم له شيئاً موقتاً<[10]، وقد بيّن الشيخ أبو جعفر الطوسي بعض الأخبار على أساس هذه الرواية، مع بيان التوظيف بهذا المعنى[11].

وهذا المعنى هو ما كان مستقرّاً في ذهن الأعلام، ولذا قال الشيخ الصدوقS في معرض الحديث عن بعض المسائل الاعتقادية: >فلا تفويض مع التحديد والتوظيف والشرع والفرض والسنّة<[12]، فقابل بين تفويض الأمر إلى العباد وبين التوظيف، وعطف التوظيف على التحديد وما ناظره من تقديرات شرعيّة.

وأيضاً وصف الحلبي ابتداع بعضهم بعض الصلوات بقوله: >ابتداعه صلاةً موظّفةً ذات صفة مخصوصة في شهر رمضان<[13]، فالتوظيف وتحديد كيفية خاصّة في الصلوات بدعة؛ باعتباره تحديداً وإدخالاً في الشرع ما لم يرد منه.

وفي مصباح الكفعمي عند الحديث عن عمّا يستحب أن يعمل ليلاً، قال: >ثمّ قم إلى المفردة من الوتر فتقرأ فيها - بعد توجّهك بالتكبيرات السّبع - بالتّوحيد ثلاثاً، والمعوّذتين، ثمّ ترفع يديك بالدّعاء بما أحببت، وليس فيها شي‏ءٌ موظّفٌ‏، غير أنّا نذكر نبذةً مقنعةً، فتقول: ثلاثاً أستجير بالله من النّار، ثمّ ترفع يديك وتمدّهما، وتقول‏...<[14].

وقال العلامة المجلسيS في معرض بيان ما روي عن محمد بن مسلم، قال: >سألت أبا جعفرg عن التسبيح، فقال: ما علمت شيئاً موظّفاً غير تسبيح فاطمةj، وعشر مرات بعد الفجر تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير، ويسبّح ما يشاء تطوّعاً<[15] ما نصّه: >المراد بالموظّف ما له عدد مخصوص وهيئة خاصّة لا يزاد عليه ولا ينقص منه، أو يكون من السنن الأكيدة التي ينبغي أن لا يترك إلاّ لعذر شديد، ويلزم المواظبة عليها<[16].

والمتحصل من جميع ما تقدّم: أنّ المقصود من نفي التوظيف في الرواية المصدّر بها السؤال ليس إلاّ نفي أن يكون هناك شيء مقدّر من قبل الشارع، بمعنى عدم وجود خصوصية لهذه الصلاة أو تلك الصلاة، أو لهذا الدعاء أو ذاك الدعاء، بل ما سنح في البال وقدر عليه الإنسان، وإن كان هناك بعض المستحبات المؤكّدة التي يحسن الإتيان في مثل هذه الليالي كصلاة جعفر الطيار كما ورد في الحديث المصدّر به السؤال، وقد جاء في مصباح المتهجد أنّ كميل بن زياد رأى أمير المؤمنينg ساجداً يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان، ثم ذكر الدعاء المعروف باسم >دعاء كميل<، وهو لا يثبت خصوصيّة لمثله في هذه الليلة، وإن كان الإتيان به بعنوان الاستنان بسنّتهمi حسن على كلّ حال. نعم؛ يُمكن أن يُستظهر ممّا رواه السيّد ابن طاوس في الإقبال من قوله g>وما من عبدٍ يحييها ويدعو بدعاء الخضر g إلّا أُجيب له< وجود خصوصيّة وتوظيف لدُعاء كميل في هذه الليلة، فليُتأمّل[17].

هذا بالنسبة لكلمة موظّف، وأمّا >الصِّكَاك< فهو جمع صكّ, وهو الكتاب[18], وقد ورد في الأخبار هذا التعبير به لبيان الآجال حيث روي أسباط بن سالمٍ مولى أبانٍ قال: >قلت لأبي عبد اللهg: جعلت فداك يعلم ملك الموت بقبض من يقبض؟ قال: لا إنـّما هي صكاكٌ‏ تنزل من السّماء اقبض نفس فلان بن فلانٍ<[19], واستعملت في صكاك الحج, أي من يُكتب له الحج في كلّ عامّ.

والمقصود هنا الثاني، كما يشهد له ما روي عن عبد الله بن سنان: >سألته عن النّصف من شعبان، فقال: ما عندي فيه شي‏ءٌ، ولكن إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قسم فيها الأرزاق، وكتب فيها الآجال، وخرج فيها صِكاك‏ الحاجّ، واطّلع الله إلى عباده، فغفر الله لهم إلاّ شارب الخمر، فإذا كانت ليلة ثلاثةٍ وعشرين‏ فيها يفرق كلّ أمرٍ حكيمٍ، ثمّ يُنهى ذلك ويمضى, قال: قلت: إلى مَن؟ قال: إلى صاحبكم, ولولا ذلك لم يعلم<[20].

وعن محمّد بن حمران عن أبي عبد اللهgقال: >قلت له: إنّ النّاس يقولون إنّ ليلة النّصف من شعبان تكتب فيه الآجال وتقسم فيه الأرزاق وتخرج صكاك‏ الحاجّ. فقال: ما عندنا في هذا شي‏ءٌ, ولكن إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان يكتب فيها الآجال, ويقسّم فيها الأرزاق, ويخرج صكاك‏ الحاجّ, ويطّلع الله على خلقه, فلا يبقى مؤمنٌ إلاّ غفر له إلاّ شارب مسكرٍ, فإذا كانت ليلة ثلاثٍ وعشرين‏ فيها يفرق كلّ أمرٍ حكيمٍ,‏ أمضاه, ثمّ أنهاه, قال: قلت: إلى من جعلت فداك؟ فقال: إلى صاحبكم, ولولا ذلك لم يعلم ما يكون في تلك السّنة<[21].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] كتاب العين، ج8، ص169، والمحيط، ج10، ص43، والصحاح، ج4، ص1439.

[2] معجم مقاييس اللغة، ج6، ص122.

[3] الكافي، ج3، ص566.

[4] الكافي، ج3، ص566، وتفسير العياشي، ج2، ص85، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص50.

[5] الكافي، ج3، ص554.

[6] الكافي، ج3، ص313، وص340، و425، و450، 554، وج4، ص433، و465، و517.

[7] كتاب العين، ج5، ص199.

[8] الكافي، ج4، ص517.

[9] الكافي، ج5، ص27.

[10] الكافي، ج3، ص340.

[11] تهذيب الأحكام، ج3، ص17، وقريب منه ما ذكره في توجيه بعض أخبار النافية للتعزير كما في ج10، ص64.

[12] التوحيد، ص206، ولاحظ: الخصال، ج2، ص357.

[13] تقريب المعارف، ص346.

[14] المصباح، ص52.

[15] الكافي، ج2، ص533 و534.

[16] مرآة العقول، ج12، ص286.

[17] مصباح المتهجد، ص844/الإقبال، ج3، ص331.

[18] ينظر: المحيط، ج6، ص124، وشمس العلوم، ج2، ص3623.

[19] الكافي، ج3، ص255.

[20] بصائر الدرجات، ج1، ص220.

[21] بصائر الدرجات، ج1، ص222.

 

مشاركة: