قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

ما حكم الإرسال عن غير واحد؟ وهل وقع بيان المقصود من هذا اللفظ كما حصل بالنسبة لعدّة الشيخ الكليني؟


بسم الله الرحمن الرحيم

وقع الكلام بين الأعلام في حكم الإرسال عن غير واحد، وإن كان بحكم الرواية عن ثقة أو لا؟ واستشكل في ذلك الشيخ محمد بن الحسن العامليS (م1030هـ ق)، فقال تعليقاً على مرسلة من مراسيل ابن أبي عمير، وفيها الإرسال عن غير واحد: >وقد قدّمنا القول في مراسيل ابن أبي عمير غير مرّة، وتخيّل أنّ مثل هذا الإرسال لا يضرّ بالحال على تقدير التوقّف في مراسيل ابن أبي عمير نظراً إلى قوله: عن غير واحد، يدفعه أنّ غير الواحد مع عدم التوثيق والمدح لا يفيد حكماً<[1]، وكأنّ المقصود: أنّ مجرّد الكثرة لا توجب تصحيح أو تحسين السند، بل لا بدّ أن يُقال مثلاً: عن غير واحد من الثقات، أو العلماء وما شاكل ذلك.

والصحيح ما ذهب إليه جملة من الأعلام من صحة الاعتماد على الإرسال عن غير واحد، والدليل على ذلك أحد أمرين تختلف نتيجتهما كما سوف يتضح:

الأمر الأوّل: أنّ >غير واحد< في اللغة وإن كانت تطلق على الإثنين، إلاّ أنّه لا إشكال في أنّ المقصود من مثل هذا التعبير الجمع، بل قال التقي المجلسيS: >لكنّه يطلق عرفاً على جماعةٍ كثيرة<[2].

وهو ما نبّه عليه السيد الخوئيS، مع بيان مثال عرفي، فقد قال: >هذا التعبير إنّما يصح فيما إذا كان راوي الخبر كثيرين، ولا يُطلق عند كون راويه واحداً أو اثنين كما هو المتفاهم العرفي من مثله في زماننا هذا، فإنّ فقيهاً إذا كتب في كتابه أنّ القول الكذائي قال به غير واحد من أصحابنا، يستفاد منه لدى العرف أنّه قول قال به كثيرون، وإن كان بحسب المفهوم اللغوي صادقاً على اثنين؛ لأنّه أيضاً غير واحد<[3].

إذا عرفت هذا، فالمدّعى أنّ المشار إليه في قول الراوي: >غير واحد< سنخ كثرة موجبة لتجاوز إشكاليّة الإرسال؛ باعتبار أنّ هذه الواسطة تعبّر عن مجموعة كثيرة من الرواة، فيكون المروي ثابتاً بوضوح عند الراوي، فابن أبي عمير -مثلاً - عندما ينقل عن غير واحد عن الإمام الصادقg، فهو  يحكي وضوح ثبوت المضمون عن الإمام الصادقg.

وإلى هذا يرجع قول المقدّس الأردبيليS: >وكذا قوله: عن غير واحد، كأنّه يدل على نقله عن كثير فلا يبعد العمل بها<[4].

وفي المدارك: >لا يضر إرسالها؛ لأنّ في قوله: عن غير واحد من أصحابه، إشعاراً باستفاضة ذلك عنده<[5]، وقد نقلت هذه العبارة في الاستقصاء: >إشعاراً بثبوت مدلولها عنده<، فعلّق عليه بقوله إنّ الثبوت عنده لا يقتضي وجوب العمل عند غيره[6].

أقول: الثبوت عند ابن أبي عمير لو كان ثبوتاً اجتهادياً فما ذكره من إشكال ممكن، لكن الثبوت مستند إلى الاستفاضة وكثرة الرواة، فهي حكاية حسيّة عن وضوح استناد هذا المعنى للمروي عنه، ومن هنا قال المحقق البحرانيS: >لأنّ الرواية عن غير واحد، مما يؤذن بالاستفاضة، وهي أظهر في الصحة عن الرواية عن الثقة المتحد<[7].

ولأجل هذا نصّ صاحب الرياض على عدم تحقق الإرسال في مثل المقام، قال: >لعدم تحقق الإرسال بمثل غير واحد<[8].

وقد قبل هذه الطريقة السيّد الخوئيS في بعض أبحاثه، فقال: >أمّا إذا روى الراوي عن غير واحدٍ، فهو كاشف عن كون الرواية معروفة متواترة أو ما يقرب منها عند الرواة، كما أنّ هذا التعبير بعينه دارج اليوم، فتراهم أنّ القضية إذا كانت معروفة يقولون: إنّها مما نقله غير واحد، فمثله خارج عن الإرسال<[9].

مثله ذكره السيد عبد الأعلى السبزواريS في المهذب[10]، ويمكن أن يستفاد  هذا لمعنى من كلمات السيد محمد سعيد الحكيمB الذي قال في مقام توصيف رواية فيها إرسال عن غير واحد: >الظاهر في اشتهار الرواية<[11]، وأخرى بقوله: >مع ظهور الإرسال عن غير واحد في اشتهار الحديث<[12].

ولا يخفى أنّ نتيجة هذا الأمر كون الإرسال عن غير واحد غير مضرّ مطلقاً، بغض النظر عن المرسِل، يعني سواء أكان من الأجلاء أم لا، فيكفي أن يكون المرسِل من الثقات حتى يصدّق فيما يحكيه من استفاضت الرواية أو شهرتها أو ما يقرب من تواترها ما شئت فعبّر[13].

الأمر الثاني: ملاحظة حساب الاحتمالات، وهو مرتبط بخصوص بعض الرواة المعلوم مشايخهم، وكون الطابع العامّ فيهم الوثاقة، أو أنّ الطابع العامّ الرواية عن الثقات على تدقيقات رياضية لا يهمّنا التعرّض لها هنا.

وهذا الطريق يمكن أن تُحمل عليه جملة من كلمات السيّد الخوئيS أيضاً، فقد قال تارةً عند الحديث عن مرسلة يونس عن غير واحد: >احتمال أن تكون العدّة بأجمعهم من الضعفاء ضعيف لا يعتنى بمثله<[14]، وقال في مورد آخر: >يدلّ على أنّ المروي عنه جماعة كثيرون بحيث لا يحتمل عادة عدم وثاقة واحد منهم<[15].

وعليه نحمل ما جاء في كلمات الميرزا التبريزيS، الذي قال: >فإنّ الإرسال بمثل ما في الرواية من التعبير بالعدة والجماعة وغير واحد ظاهره في عدم انحصار راويها بواحد أو اثنين، ومع كثرة رواته لا تخلو رواته عن الثقة والعدل كما يظهر بوضوح بملاحظة من روى عنه جميل<[16].

وقد نصّ عليه السيد الهاشميS ناقلاً إيّاه عن الشهيد الصدرS، فقال: >لأنّه يرسله عن غير واحد، الظاهر في الجمع الذي أقلّه ثلاثة، وقد تقدّم غير مرّة أنّ احتمال كونهم جميعاً غير ثقات احتمال ضعيف بدرجة يطمئن بخلافه بحساب الاحتمالات؛ لأنّ مجموع مشايخ ابن أبي عمير حوالي أربعمائة راوٍ، ومن الثابت الضعف منهم بدليل معتبر لا يزيدون على خمسة، فيكون احتمال أن يكون المرسَل عنه إذا كان واحد أحد الخمسة 1 / 80، وإذا كانوا ثلاثة: 1 / 512000، وهذا احتمال ضئيل جداً في قبال القطع أو الاطمئنان القوي جداً كما أفاده سيدنا الأستاذS في بعض تحقيقاته<[17].

ومن هنا تبيّن وجه المخالفة بين هذه الطريقة وما تقدّم، حيث لا بدّ معها من ملاحظة الراوي ومشايخه، وهذه الطريقة - على تقدير ورود التشكيك في الطريقة الأولى لتجاوز مشكلة الإرسال - لا ينبغي أن تكون محلاً للإشكال، وتثبت حجية المراسيل عن غير واحد فيما لو كان المرسِل ممن يعتدّ به في أمر الرواية عن الثقات[18].

تنبيهان:

الأوّل: نبّه الميرزا التبريزيS على مسألة جديرة بالاهتمام، وهي صورة ما لو كان الإرسال عن غير واحد مع وجود واسطتين، وأنّ ما تقدّم مختصّ بصورة ما لو كان الإرسال بلحاظ واسطة واحدة، فقال عند نظره إلى مرسلة لموسى بن القاسم، قال روى أصحابنا عن أحدهماh يعني عن أحد الإمامين الصادق أو الباقرh: >ودعوى أنّ الإرسال المذكور كإرسال ابن عمير عن غير واحد من أصحابنا لا يضرّ باعتبارها؛ لأنّ الواسطة بين موسى والإمامg جماعة الأصحاب، لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنّ موسى بن القاسم لا يمكن عادةً أن يروي عن الصادقينh بواسطة واحدة، والتعبير بأصحابنا لرعاية طبقتين أو الأزيد من الواسطة، وهذا معناه الإرسال لصدقه مع كون الراوي عن الإمام واحداً لم يثبت وثاقته<[19].

الثاني: أنّ الإرسال عن جماعة أو عدة من أصحابنا أو غير واحد قد يقع مفسّراً في بعض كتب الأصحاب،  كما هو الحال بالنسبة لجملة من عدّة الكليني[20]، وقد ذكر السيّد نعمة الله الجزائريS أنّ (غير واحد) التي يرسل عنها ابن أبي عمير وما شاكلها وقع مفسراً في الفقيه وغيره بأبان بن عثمان، وهشام بن سالم، ومحمد بن حمران[21]، وقد أشير إلى ما يناظر هذا المعنى في خاتمة الوسائل[22].

ودعوى وقوع الفرق بين الإرسال عن (عدّة من أصحابنا) والإرسال عن (غير واحد) عهدتها على مدّعيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] استقصاء ا لاعتبار، ج7، ص312.

[2] روضة المتقين، ج8، ص292.

[3] التنقيح (المطبوع ضمن الموسوعة)، ج7، ص149.

[4] مجمع الفائدة والبرهان، ج1، ص148.

[5] المدارك، ج1، ص152.

[6] استقصاء الاعتبار، ج2، ص76.

[7] الحدائق، ج24، ص603.

[8] الرياض، ج1، ص269.

[9] التنقيح (المطبوع ضمن الموسوعة)، ج6، ص98.

[10] المهذب، ج3، ص214.

[11] مصباح المنهاج _ كتاب الطهارة، ج3، ص39.

[12] مصباح المنهاج _ كتاب الطهارة، ج3، ص87.

[13] ولا يخفى أنّ البحث على هذا مبني على القول بحجية الخبر المستفيض، وأنّ رواية الثلاثة فصاعداً من موجبات الوثوق بالصدوق نوعاً، وإلّا فمن يشكك في ذلك يمكن له التشكيك بأصل هذه الطريقة من هذه الجهة.

[14] التنقيح (المطبوع ضمن الموسوعة)، ج7، ص149.

[15] المستند (المطبوع ضمن الموسوعة)، ج12، ص149.

[16] أسس القضاء والشهادات، ص178.

[17] كتاب الخمس، ج1، ص212.

[18] وهذا المعنى يمكن استظهاره من بعض كلمات العلامة المجلسي المنقولة في هامش البحار، ج85، ص272، حيث قال تعليقاً على بعض الأخبار: >وإرسال ابن سنان مع جلالته عن غير واحد يخرجه عن الإرسال<، وله في مرآة العقول، ج14، ص45 عبارة مشابهة عند الحديث عن مرسلة لمحمد بن سماعة، ولاحظ: ج2، ص192، وج8، ص23.

[19] التهذيب في مناسك العمرة والحج، ج2، ص345.

[20] ينظر: الخلاصة، ص271 و272.

[21] كشف الأسرار في شرح الاستبصار، ج3، ص97، وقد كرر هذا المعنى في غير موضع من الشرح كما في ج2، ص61، قال: >وكذا الحسن بن محمد بن سماعة عن غير واحد عن أبان بن عثمان، فقد فسّره في التهذيب في غير موضع بأحمد بن الحسن الميثمي، ومحمد بن أبي حمزة والحسين بن هاشم وعلي بن الحسن بن رباط وصفوان بن يحيى<.

[22] ينظر: وسائل الشيعة، ج30، ص149.

مشاركة: