قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

ما المقصود مما روي من أنّ عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق؟


بسم الله الرحمن الرحيم

 

قبل الورود في بيان المقصود من هذه العبارة وتوظيفاتها، ينبغي أن نلفت إلى أنّ هذه المقولة: >عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<، لم ترد في شيء من مصادرنا المعتبرة، وليست برواية ظاهراً، بل هي مقالة لبعض أهل التصوّف، ففي >موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان< ما نصّه: >ويقول الشيخ أحمد الرفاعي الكبير: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<[1]، والرفاعي توفي سنة 578هـ ق، وسوف يأتي _ إن شاء الله تعالى _ نقل تمام عبارته من بعض رسائله عند الحديث عن المقصود من هذه العبارة.

وقد استشهد بهذه العبارة في كلمات بعضهم مسندة إلى (أهل الله)، فقال ابن عربي (م638هـ ق) في ضمن بعض مطالبه: >وهذا الصراط الذي تكلّمنا فيه هو الذي يقول فيه أهل الله: إنّ الطرق إلى الله على عدد أنفاس الخلائق<[2]، وقد تنسب في عبارات أُخر إلى (قيل)[3].

وعلى كلّ، فهذه العبارة مشهورة في كلمات أهل الحكمة والعرفان، وقد نصّ على هذا المعنى في كلمات الفاضل السبزواري (م1288هـ ق) حيث قال في كتابه >شرح الأسماء الحسنى<: >وقد قال الحكماء والعرفاء: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<[4].

وأوّل من وجدته ينسبها إلى الرواية صراحة هو السيد حيدر الآملي (م في القرن الثامن)، فقال بعدما بيّن جملة من مسائل أهل التصوّف: >وعرفت سرّ قول نبيّناe: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<[5]، وهذا الرجل ممن لا يعتمد عليه في نسبة الأخبار. كيف! وهو الذي لا يرى مانعاً في نسبة بعض الأخبار إلى النبيe ترغيباً بالحقّ، وإن لم تكن واقعاً صادرة عنهe، فقد قال في شرحه على الفصوص، وعند الحديث عن مدّعى ابن عربي، وأنّه أخذه من النبيe: >فحينئذٍ الكتاب لا بدّ أن يكون لأحد: إمّا للنبي أو له أو لغيرهما، فإن كان للنبي فالمراد حاصل، وإن كان له، فهذه فضيلة أخرى ثابتة له مع كلّ فضيلة، ويكون الغرض من نسبته إلى الرسول ترغيب الخلق إليه وتحريضهم لديه. وهذا ليس بمذموم عقلاً ولا شرعاً، بل هو محمود عقلاً وشرعاً؛ لأنّه من المرغّبات المرغّبة إلى الله تعالى وإلى طريق عباده<[6].

وكيف كان، فلم نعثر على هذا النصّ في كتب الأخبار، ولذا وصفه السيد المرعشي النجفي بقوله _ في مقام ذمّ أهل التصوّف _ : >فلمّا راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم، تشعبوا فرقاً وشعوباً، وأغفلوا العوام والسفلة بالحديث الموضوع المفترى: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<[7].

هذا، من حيث جعلها رواية، وأمّا من حيث المعنى المقصود، فيختلف المراد منها من شخص إلى آخر، ويفهم ذلك من قرائن السياق، ويمكن أن نذكر لهذه العبارة تفسيرات ثلاثة على أساس قصود المستشهدين بهذه العبارة، مع الالتفات إلى أنّه ليس كلّ من ذكر هذه المقولة نسبها إلى الرواية، بل أكثر من وجدته مستشهداً بهذه العبارة لم ينسبها إلى الرواية، وسوف نبيّن _ إن شاء الله تعالى _ أنّ الوجه في تشدّد السيّد المرعشيS في نفي هذه المقولة بعض التوظيفات لهذه العبارة، لا كلّها.

ثم إنّنا وأثناء بياننا للمقصود من هذه المقولة لن ننظر إلى العبائر المشابهة أو التي صاغت مقصوداً آخر على نسقها، كقول بعضهم: >أسباب الرزق عنده بعدد أنفاس الخلائق<[8].

إذا عرفت هذا، فقولهم: >عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق< يمكن أن يفسّر بأحد معانٍ ثلاثة، كلّها مذكورة في كلماتهم، وتشخيص أحدها تابع لفهم سياق الاستشهاد بهذه العبارة:

المعنى الأوّل: أن يكون المقصود الإشارة إلى المبالغة في كثرة الطرق والسبل العملية إلى الله تعالى، فيمكن لشخص أن يتقرّب إليه تعالى بالصلاة، وآخر بالذكر، وثالث بقضاء حوائج الإخوان، ورابع بالجهاد، وخامس بطلب العلم وتعليمه، وهكذا... فلا طريق واحد يتقرّب به إلى الله تعالى، بل الطرق بعدد أنفاس الخلائق طبعاً بشرط عدم الابتداع، وإلّا فإنّ في الأخبار قواعد حاكمة على المستحبات كقولهe: >لم يرسلني الله تعالى بالرهبانيّة<[9]، وعن أبي عبد اللهg: >لا رهبانيّة ولا سِياحَة<[10].

وهذا المعنى مقبول عند الأعلام، فقال القطيفيS في رسائله: >والطرق إلى مرضاة الله، وما يقرِّب منه بعدد أنفاس الخلائق، وهي سمحة سهلة لكلّ سالك بحسب وسعه والله رؤوف رحيم<[11].

وعلى هذا المعنى نحمل ما جاء في كلمات السيّد الخوئيS عند الحديث عن إمكانية صرف الزكاة في سهم سبيل الله، وأنّ باب >سبيل الله< واسع، فقال: >ولا أقلّ من سهم سبيل الله، فإنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق<[12].

وعلى هذا الأساس تحلّ إشكاليّة إفراد السبيل في بعض الآيات، وجمعها في آيات أخر، فقال السيد جعفر مرتضىS: >وذلك معناه: أنّ اختلاف الإضافة قد أوجب اختلاف التعبير، أي أنّه تارة يراد إظهار النسبة إلى السبيل المتصل بالله، والموصل إليه، وحصر النجاة بما كان متصلاً به تعالى، فالمناسب هو الإتيان بصيغة المفرد؛ باعتبار أنّ الطريق الموجب للنجاة هو فقط ما ينتهي إلى الله، ويوصل إليه دون سواه، فيقول: ﴿هذِهِ سَبِيلِي[13]، ويقول: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[14]. وأخرى يراد الحديث عما يوصل إلى غير الله، فهو متكثر بتكثر الغايات والأهداف.. فيُذكَر ذلك بصيغة الجمع، فيقال: (سُبُل). وتارة ثالثة ينظر إلى نفس ما يوصل إلى الله سبحانه مما قررته الشريعة، فتلاحظ كل واحدة واحدة منها، مثل الصلاة، والزكاة، والصدقات، وتلاوة القرآن، و.. و.. فيعبّر عن هذه المفردات بصيغة الجمع، فيقال: (سبلنا) [15]، و(سبل السلام) [16].. ولعلّه قد لوحظ في ذلك ما ألمحنا إليه فيما سبق، من أن تنوّع المستحبات إنّما هو من أجل تمكين كل إنسان من أن يختار ما يناسب حاله منها حيث بها يكون سمو روحه، وتصفية وتزكية نفسه، فلذلك صحّ التعبير بصيغة الجمع؛ فإنّ الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق<[17].

وهذا المعنى لعلّه الأقرب إلى مقصود الرفاعي الذي تقدّم أنّ العبارة منسوبة له، فقد جاء في رسالته المسمّاة باسم: >النظام الخاصّ لأهل الاختصاص<: >أي سادة! الطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق، وإنّي لم أرَ أقرب وأوضح، وأيسر وأصلح، وأرجى من طريق الذُّل والانكسار والخضوع والافتقار<[18]، لكن بشرط أن يكون ناظراً إلى الطرق المشروعة في التقرّب إلى الله تعالى، لا إلى كلّ طريق ولو كان مبتدعاً.

المعنى الثاني: أن يكون المنظور من الطرق طرق الوصول إلى الإيمان بالله تعالى، لا التقرّب إليه بالعمل، وهو ما ذكره الشهيد الثانيS في بعض رسائله حيث قال: >والضابط هو حصول الجزم بأيّ طريق اتفق، والطرق إلى الله الخالق بعدد أنفاس الخلائق<[19].

وقد أشير إلى هذا المعنى في كلمات الفيض الكاشاني حيث قال: >وإن كان أصل المعرفة فطرياً إمّا ضرورياً أو يهتدي إليه بأدنى تنبيه، فلكلّ طريقةٌ هداه اللهa إليها، إن كان من أهل الهداية، والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، وهم درجات عند الله<[20].

وهذا المعنى أيضاً لا محذور فيه كما هو ظاهر، وقد جاء في نهج البلاغة قول أمير المؤمنينg: >وأرانا من ملكوتِ قُدرتِه، وعَجائبِ ما نطقَتْ به آثارُ حكمته» إلى قولهg: «فصار كلّ‏ ما خلَق‏ حجّةً له ودليلًا عليه، وإن كانَ خلقاً صامتاً، فحُجَّتُه بالتدبير ناطقةٌ، ودلالتُه على المُبْدِعِ قائمةٌ»[21].

المعنى الثالث: أن يكون المقصود من الطرق الأديان والمذاهب، فكلّ ما يعبد يرجع بالأخير إلى الله تعالى، بدعوى أنّ القضاء في قوله تعالى: ﴿وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [22] قضاء حتم[23]، ولذا تجد السيد حيدر الآملي بعدما ينقل تلك المقولة يستشهد بالشعر المعروف:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي                                         إذا لم يكن قلبي إلى دينه دان

لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورة                                          فمرعى لغزلان، وديراً لرهبان

وبيتاً لأوثان وكعبة طـائف                                                وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنّي توجهت                                           ركائبه أرسلت ديني وإيماني[24]

وهذا المعنى معنى باطل، وتفسيرهم الآية بما ذكر لا وجه له، وإلّا فقد قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً[25]، فلو كان المراد من القضاء القضاء التكويني كما يدّعى، فما معنى قضاؤه تعالى بالإحسان بالوالدين، وهل أنّ أذيتهما التي تصدر من العاقّ إحسان في باطنها، وإن ظنّ العاق أنـّه يؤذيهما؟!

وما تقدّم عن السيّد المرعشيS في نفيه لهذه المقولة إمّا ناظر إلى هذا المعنى أو إلى المعنى الأوّل فيما لو كان المقصود منه مطلق السلوك العملي ولو كان مبتدعاً.

وكيف كان، ففساد هذا المعنى أوضح من أن يبيّن، وإلّا لم يكن هناك ضالّ واقعاً وحقيقة، ونحن نؤمن بما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[26]، ونحن مأمورن في الزيارة الجامعة أن نقول: >من‏ أراد الله بدأ بكم، ومن وحّده قَبِلَ عنكم، ومن قَصَدَهُ توجّه بكم‏<[27]، والله الهادي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، ج13، ص194.

[2] الفتوحات المكية، ج3، ص411.

[3] شرح فصوص الحكم، ص296، والنسبة إلى (قيل) هو المثبت في كلمات صدر المتألهين (م1050هـ ق) كما في مفاتيح الغيب، ص172، والقاضي سعيد القمي (م1107هـ ق) على ما في شرح توحيد الصدوق، ج2، ص732.

[4] شرح الأسماء الحسنى، ص660، وقد نسبه في أسرار الحكم (فارسى)، ج1، ص435 إلى الأكابر.

[5] جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص8، وعاد ونسبه في ص121، وكذا في فعل في تفسير المحيط الأعظم، ج1، ص53، ص236.

[6] المقدّمات من كتاب نصّ النصوص في شرح الفصوص، ص104.

[7] شرح إحقاق الحق، ج1، ص185، الهامش.

[8] ينظر: التفسير المبين، ص245.

[9] الكافي، ج5، ص494.

[10] الكافي، ج2، ص17.

[11] رسائل آل طوق القطيفي، ج2، ص451.

[12] المستند (المطبوع ضمن الموسوعة)، ج24، ص225.

[13] يوسف، 108.

[14] الأنعام، 153.

[15] كما في سورة العنكبوت، 69.

[16] كما في سورة المائدة، 16.

[17] تفسير سورة هل أتى، ج2، ص249 و250.

[18] النظام الخاصّ لأهل الاختصاص، ص28.

[19] رسائل الشهيد الثاني، ج2، ص757.

[20] الوافي، ج4، ص59، وقد ذكرت هذه العبارة بعينها في كلمات العلامة المجلسي كما في مرآة العقول، ج7، ص60، وبحار الأنوار، ج64، ص137.

[21] نهج البلاغة، ص 126، الخطبة 91.

[22] الإسراء، 23.

[23] ينظر: الفتوحات المكية، ج3، ص117، وشرح فصوص الحكم للقيصري، ص1094 وما بعدها، ومفاتيح الغيب، ص324 و325.

[24] جامع الأسرار، ص8.

[25] الإسراء، 23.

[26] آل عمران، 85 _ 88.

[27] من لا يحضره الفقيه، ج2، ص615، والتعبير بـ>من أراد الله بدأ بكم< وارد في زيارات أُخر، فلاحظ: الكافي، ج4، ص576، وكامل الزيارات، ص199.

مشاركة: