قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

روي عن أمير المؤمنينg أنّه قال في حديث: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ للْقِيَاسِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ، ومَنْ دَانَ الله بالرَّأْيِ لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي ارْتِماسٍ».

ما الفرق بين القياس والرأي؟ أو كلاهما واحد في لسان الروايات؟ وإن كان هناك فرق فما النسبة بينهما؟


بسم الله الرحمن الرحيم

 

القياس في اللغة بمعنى تقدير شيء بشيء[1]، فالقَيْس بمنزلة القدر[2]، وقد استعمل بهذا المعنى اللغوي العامّ في بعض الأخبار، كالذي جاء في معتبرة الحلبيّ عن أبي عبد اللهg قال: >إذا ضرب الرّجل على رأسه، فثقل لسانه، عُرضت عليه حروف المعجم،‏ يقرأ، ثمّ قسمت الدّية على حروف المعجم، فما لم يفصح به الكلام كانت الدّية بالقياس‏ من ذلك<[3]، أي تقسم الدية كاملة على عدد حروف المعجم، فلو فرضت أنّها ثمانية وعشرون حرفاً، قسّمت الدية على ثمانية وعشرين، ويقدّر مقدار الدية على قدر الحروف التي لم يفصح بها.

ثم إنّ الغالب في الأخبار استعمال القياس كإشارة إلى مسلك جملة من العامّة الذين كانوا يقايسون في أمر دينهم سواء على مستوى الأصول أم الفروع، وإن كان الأكثر استعمالاً مسألة القياس في أمر الفروع.

والمقصود من المقايسة في أمر الفروع ليس إلّا ما يرجع إلى المعنى اللغوي، فيقاس حكم مجهول على آخر معلوم طلباً بدعوى الاتحاد أو غيره، كالذي روي عن محمد بن فضيل قال: >كنّا في دهليز يحيى بن خالدٍ بمكّة، وكان هناك أبو الحسن موسىg وأبو يوسف، فقام إليه أبو يوسف، وتربّع بين يديه، فقال: يا أبا الحسن، جعلتُ فداك، المحرم يظلّل؟ قال: لا، قال: فيستظلّ بالجدار والمحمل ويدخل البيت والخباء؟ قال: نعم. قال: فضحك أبو يوسف شبه المستهزئ، فقال له أبو الحسنg: يا أبا يوسف، إنّ الدّين ليس بالقياس‏ كقياسك‏ وقياس‏ أصحابك، إنّ اللهa أمر في كتابه بالطّلاق وأكّد فيه بشاهدين، ولم يرض بهما إلّا عدلين، وأمر في كتابه بالتّزويج وأهمله بلا شهودٍ، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله وأبطلتم شاهدين فيما أكّد اللهa، وأجزتم طلاق المجنون والسّكران! حجّ رسول اللهe فأحرم ولم يظلّل، ودخل البيت والخباء، واستظلّ بالمحمل والجدار، فعلنا كما فعل رسول اللهe. فسكتَ<[4].

وكما ترى، فكان قصد ذلك القيّاس استبعاد التفرقة بين التظليل والدخول في البيت والخباء، بعد أن كانا ظاهراً عبارة عن شيء واحد، فإذا جاز هذا جاز ذاك، وإذا حرم هذا حرم ذاك، وقد ردّه الإمامg بما عرفت.

وأبو يوسف من تلامذة أبي حنيفة في زمن الإمام الكاظمg، وهو أحد المروجين لمنهج القياس، وقد جاء في معتبرة محمد بن حكيم، قال: >قلت لأبي الحسن موسىg: جعلتُ فداك، فقّهنا في الدّين، وأغنانا الله بكم عن النّاس، حتّى إنّ الجماعة منّا لتكون في المجلس ما يسأل رجلٌ صاحبه تحضره المسألة، ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم، فربّما ورد علينا الشّي‏ء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شي‏ءٌ، فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم، فنأخذ به؟ فقال: هيهات هيهات، في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيمٍ، قال: ثمّ قال: لعن الله أبا حنيفة، كان يقول: قال عليٌّ وقلت. قال محمّد بن حكيمٍ لهشام بن الحكم: والله ما أردت إلّا أن يرخّص لي في القياس‏<[5].

وكما ترى، فابن حكيم الذي كان يريد الترخيص في القياس ذكر عدم وجدانه حكم المسألة، وأنّه يريد أن ينظر إلى أحسن ما حضره وأوفق الأشياء، أي الأكثر ملائمة، يقال: >اتّفق الشيئان: تقارَبا وتَلاءَما<[6].

وأوضح منه ما جاء في معتبرة سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسىg، قال: >قلت: أصلحك الله، إنّا نجتمع، فنتذاكر ما عندنا، فلا يرد علينا شي‏ءٌ إلّا وعندنا فيه شي‏ءٌ مسطّرٌ، وذلك ممّا أنعم الله به علينا بكم، ثمّ يرد علينا الشّي‏ء الصّغير، ليس عندنا فيه شي‏ءٌ، فينظر بعضنا إلى بعضٍ، وعندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: وما لكم وللقياس؟!‏ إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس<[7]، الحديث.

فالقياس هو النظر إلى الشبيه، وبما أنّ الشبيه قد يكون متكثّراً، جاء التعبير بقوله: >فنقيس على أحسنه< الظاهر بمقتضى مناسبات الحكم الموضوع، الأحسن من حيث المطابقة والمشابهة[8].

وكما ترى، فالقياس يستخدم تارةً لاستنباط حكم كما في هذه الرواية والتي سبقتها، وأخرى لردّ حكم واستنكاره، كما عرفت في رواية التظليل، ومن هذا الباب ما جاء في معتبرة أبان بن تغلب قال: >قلت لأبي عبد اللهg: ما تقول في رجلٍ قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرٌ من الإبل، قلت: قطع اثنين؟ قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً، فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ‏ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطانٌ، فقال: مهلًا يا أبان، هكذا حكم رسول اللهe، إنّ المرأة تقابل (تعاقل) الرّجل إلى ثلث الدّية، فإذا بلغت الثّلث رجعت إلى النّصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس،‏ والسنّة إذا قيست محق الدّين<[9]، فإنّ مقتضى القياس على السابق أن لا يكون حكم قطع الأصابع الأربعة أدنى من السابق، بل إذا قيس على الارتفاع لا بدّ أن تكون الدية أكثر.

ثم إنّه لمّا كان في القياس دعوى التعرّف على علّة الحكم بحيث يدّعى اشتراك الأصل (المقيس عليه) والفرع (المقيس) بحيث صحح ذلك إسراء الحكم من أحدهما إلى الآخر، ورد في معتبرة عثمان بن عيسى قال: >سألت أبا الحسن موسىg عن القياس‏، فقال: ما لكم والقياس،‏ إنّ الله لا يُسأل كيف أحلّ وكيف حرّم<[10]، فالقياس موقوف على معرفة سرّ الأحكام الشرعيّة، وكيفيّة حلّها وحرمتها.

قال الشريف الشيرازيS: >أي لا يكون علّة أحكامه تعالى في حلّ الأشياء وحرمتها ما يوافق مدارك عامّة العباد حتّى لو سئل عنه تعالى من علّتها أجاب بما هو مرغوبُ مداركِهم ومستحسنُ طِباعِهم ليلزم من ذلك أن يكون ما زعمه أهل القياس من علّة الحكم في الأصل وإلحاق الفرع به في الحكم لوجودها فيه مطابقاً للواقع، بل في أحكامه تعالى حِكَم ومصالح لا يصل إليها أفهام أكثر الناس من العوامّ والخواصّ فضلًا عن أهل القياس، فبطل القياس، وظهر أنّه لا يفيد في الشريعة ظنّاً أصلًا، ولا ينشأ إلّامن شرّ الوسواس الخنّاس<[11].

هذا كلّه بالنسبة للقياس في الفروع، وأمّا في الأمور العقدية، فالقياس يقصد منه التعرّف على صفات الله تعالى بقياسها على قدر عقولهم، من قبيل قياس الغائب على الشاهد، وإلى هذا أشير فيما روي عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: >حضرت أبا جعفرٍg، فدخل عليه رجلٌ من الخوارج، فقال له: يا أبا جعفرٍ، أيّ شي‏ءٍ تعبد، قال: الله تعالى، قال: رأيتَه، قال: بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يُعرف بالقياس،‏ ولا يُدرك بالحواسّ، ولا يشبّه بالنّاس، موصوفٌ بالآيات، معروفٌ بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلّا هو، قال: فخرج الرّجل، وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته<[12]، أي لا يعرف بالمقايسة بغيره[13]، أو قل: بالقياس على الخلق؛ لانتفاء المشاركة بينه وبينهم في أمر من الأمور[14].

هذا تمام الكلام في معنى القياس بلحاظ اللغة والأخبار.

وأمّا الرأي  في أصل اللغة بمعنى الاعتقاد، ولذا قال الفراهيدي: >الرأي: رأي القلب<[15]، فالرأي -كما ذكر ابن فارس - ما يراه الإنسان في الأمر[16]، وقد أخذ فيه معنى الظنّ في بعض عبائر أهل اللغة، فقال الراغب: >والرّأي: اعتقاد النّفس أحد النّقيضين عن غلبة الظّنّ<[17].

هذا من حيث اللغة، وأمّا في الأخبار فقد يطلق ويراد به هذا المعنى اللغوي كالتعبير عن بعضهم أنّه كان يرى رأي الخوارج[18]، أي يقول بمقالتهم ويعتقد بعقيدتهم أو ما يقع في القلب عند الاستشارة، فيقال في بيان علامات العاقل: >ويشير بالرّأي‏ الّذي يكون فيه صلاح أهله<[19]، وقد يراد منه إعمال الرأي في شأن من شؤون الدين سواء في التفسير[20] أو العقائد[21] أو الحلال والحرام، وسوف نركّز هنا على موضع السؤال، وهو بيان المقصود من الرأي في خصوص الفقه، وإن أمكن الاستفادة مما نذكره هناك.

ثم إنّ الرأي بمعنى الرأي الفقهي تارةً يستعمل بمعناه العامّ، فيقصد منه ما يقابل الأخذ من الكتاب والسنّة كما في معتبرة زرارة قال: >سألت أبا جعفرٍg عن فريضة الجدّ، فقال: ما أعلمُ أحداً من النّاس قال فيها إلّا بالرّأي،‏ إلّا عليٌّg، فإنّه قال فيها بقول رسول اللهe<[22]، فكلّ ما يقابل قول رسول اللهe هو قول بالرأي، والوجه في المناسبة اللغوية واضح؛ باعتبار أنّ عدم الاستناد إلى قول رسول اللهe فيه استناد إلى الذات، فما يراه المفتي مناسباً يفتي به، بغض النظر عن مدركه في ذلك.

ومن هذا القبيل ما جاء في معتبرة عبيد الله الحلبي، قال: >سأل رجلٌ أبا عبد اللهg وأنا حاضرٌ، فقال: إنّي اعتمرت في الحرم،‏ وقدمت الآن متمتّعاً، فسمعت أبا عبد اللهg يقول: نِعْمَ ما صنعتَ، إنّا لا نعدل بكتاب اللهa وسنّة رسول اللهe، فإذا بعثنا ربّنا أو وردنا على ربّنا، قلنا: يا ربّ، أخذنا بكتابك وسنّة نبيّكe، وقال النّاس: رأينا رأينا، فصنع اللهa بنا وبهم ما شاء<[23]، فقوبل بين كتاب الله وسنّة رسوله، وبين الرأي.

وهذا المضمون - أعني المقابلة بين كتاب الله وسنّة نبيّهe وبين الرأي - كثير في الأخبار[24]،  ويمكن أن يعبّر عن بذل الجهد الشخصي بعيداً عن الكتاب والسنّة كما يشهد له ما جاء في خبر الزهري -من علماء المخالفين - عن الإمام زين العابدينg، قال الزهري: >قال لي يوماً: يا زهريّ، من أين جئت؟ فقلتُ: من المسجد، قال: فيمَ كنتم؟ قلت: تذاكرنا أمر الصّوم، فاجتمع رأيي‏ ورأي‏ أصحابي على أنّه ليس من الصّوم شي‏ءٌ واجبٌ إلّا صوم شهر رمضان، فقال: يا زهريّ ليس كما قلتم، الصّوم على أربعين وجهاً<، الحديث[25].

وأوضح منه في الدلالة على هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنينg قال: >إنّ من أبغض الخلق إلى الله عزّ وجلّ لرجلين رجلٌ وكله الله إلى نفسه‏<.

إلى أن قال: >وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشواً من رأيه،‏ ثمّ قطع به، فهو من لبس الشّبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شي‏ءٍ ممّا أنكر، ولا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً، إن قاس شيئاً بشي‏ءٍ لم يكذّب نظره، وإن أظلم عليه أمرٌ اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له لا يعلم<[26].

وعلى هذا الأساس يقابل بينه وبين الرواية كما في خبر أبي جميلٍ البصريّ قال: >كنتُ مع يونس ببغداد، وأنا أمشي معه في السّوق، ففتح صاحب الفقّاع فقّاعه، فقفز، فأصاب ثوب يونس، فرأيته قد اغتمّ بذلك، حتّى زالت الشّمس، فقلت له: يا أبا محمّدٍ، ألا تصلّي؟! قال: فقال: ليس أريد أن أصلّي حتّى أرجع إلى البيت وأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأيٌ‏ رأيته أو شي‏ءٌ ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم، أنّه سأل أبا عبد اللهg عن الفقّاع، فقال: لا تشربه، فإنّه خمرٌ مجهولٌ، فإذا أصاب ثوبك فاغسله<[27].

هذا، ولم يظهر لنا من النصوص اعتبار الظنّ في صدق مفهوم الرأي، وقولهg: >من أفتى النّاس برأيه‏، فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم، فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم<[28]، فإنّه لا يقصد منه عدم العلم من حيث اعتقاده، بل من حيث عدم العلم من حيث المدرك، وأنّه مدرك لا صلاح فيه، وإلّا فقد ورد في معتبرة أبي بصيرٍ قال: >قلت لأبي عبد اللهg: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنّةٍ، فننظر فيها؟ فقال: لا، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على اللهa<[29]، فهو غير مأجور وإن كان مصيباً.

ويؤكّد العموم ما ورد عن أبي جعفرg في حديث قوله: >المحكم ليس بشيئين، إنّما هو شي‏ءٌ واحدٌ، فمن حكم بما ليس فيه اختلافٌ، فحكمه من حكم اللهa، ومن حكم بأمرٍ فيه اختلافٌ فرأى‏ أنّه مصيبٌ، فقد حكم بحكم الطّاغوت‏<[30].

هذا كلّه من حيث المعنى العامّ للرأي، الذي عرفت أنّه مطلق المجهود الشخصي، وقد يقابل في بعض الأخبار بالهوى كما في معتبرة حبيب الخثعمي قال: >سمعت أبا عبد اللهg يقول:‏ أما والله ما أحدٌ من النّاس أحبّ إليّ منكم، وإنّ النّاس سلكوا سبلًا شتّى، فمنهم من أخذ برأيه‏، ومنهم من اتّبع هواه، ومنهم من اتّبع الرّواية، وإنّكم أخذتم بأمرٍ له أصلٌ، فعليكم بالورع والاجتهاد، واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصّلاة، أما يستحيي الرّجل منكم أن يعرف جاره حقّه، ولا يعرف حقّ جاره<[31].

وفي مثل هذه الأخبار قد يقصد من الرأي ما يكون معتمداً على بعض الضوابط التي تمنع من صدق عنوان اتّباع الهوى.

وفي خبر آخر قوبل بين الرأي والهوى والقياس، كما في المروي عن أبي عبد اللهg قال: >واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحدٌ من خلق الله في دينه بهوًى ولا رأيٍ‏ ولا مقاييس، قد أنزل الله القرآن، وجعل فيه تبيان كلّ شي‏ءٍ، وجعل للقرآن ولتعلّم القرآن أهلًا، لا يسع أهل علم القرآن الّذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوًى ولا رأيٍ‏ ولا مقاييس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصّهم به ووضعه عندهم كرامةً من الله أكرمهم‏<[32].

وفي مثل هذه الأخبار يمكن أن يفرّق بين الرأي والقياس على أساس أنّ القياس فيه تقدير شيء بشيء، بخلاف الرأي حيث يراد الابتداء ببيان الحكم.

ومن هنا يمكن أن يُقال: إنّ الرأي له معنى عامّ يشمل الهوى والقياس[33]، وإذا قوبل بأحدهما قصد ما يقابلهما، فيكون له معنى أخصّ من ذلك.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم ما روي في السؤال من قولهg: >من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباسٍ، ومن دان الله بالرّأي لم يزل دهره في ارتماسٍ<[34]، فالمقصود من القياس ما عرفته من مقايسة مجهول على حكم معلوم قصداً لاستبيان الحكم، فقالg: >لم يزل دهره في التباس< أي في اشتباه وخلط بين الباطل والحقّ، حيث لا يعرف علل الأحكام، ويريد أن يتوصل إلى حكم مجهول عن طريق المقايسة، فلا يزداد بذلك إلّا جهلاً.

والمقصود من الرأي الاعتماد على الاجتهادات الشخصية في فهم الأحكام بعيداً عن المقايسة كما هو الحال بالنسبة للاستحسانات، فهذا قال عنهg: >لم يزل دهره في ارتماس< أي انغماس في الباطل ودخول فيه بحيث يحيط به إحاطة تامّة، وإلّا فهو لا يعتمد على أصل صحيح.

والمتحصّل من جميع ما مضى: أنّ الرأي بأحد إطلاقاته أعمّ من القياس، فهو الاستناد إلى غير الكتاب والسنّة، والقياس خصوص تقدير شيء بشيء، والرأي في إطلاق آخر يباين القياس، فيختصّ بغيره، فإذا ورد لفظ الرأي وحده حمل على ذلك المعنى العامّ، وإذا قوبل بالقياس باينه.

ـــــــــــــــــــــ

[1] معجم مقاييس اللغة، ج5، ص40.

[2] كتاب العين، ج5، ص189.

[3] الكافي، ج7، ص322 و323.

[4] الكافي، ج4، ص352 و353.

[5] الكافي، ج1، ص56.

[6] معجم مقاييس اللغة، ج6، ص128.

[7] الكافي، ج1، ص57.

[8] وقال الشريف الشيرازيS في الكشف الوافي في شرح أصول الكافي، ص244: >وقوله: >فنقيس‏ على‏ أحسنه‏؟< أي أحسن ما عندنا من أحاديثكم وأحكامكم في المسائل التي تشابهه. وقد عرفت أنّ المراد بالأحسن ما لا يكون فيه تقيّة وتغيّر، ليصلح أن يكون أصلًا في القياس. ويحتمل أن يكون المراد به هاهنا الأوفق للفرع باعتبار الجامع، وما يظنّ أنّه عليه الحكم في الأصل<، فجعل ما رجحناه احتمالاً.

[9] الكافي، ج7، ص299 و300.

[10] الكافي، ج1، ص57.

[11] الكشف الوافي في شرح أصول الكافي، ص248.

[12] الكافي، ج1، ص97.

[13] كما في مرآة العقول، ج1، ص337.

[14] كما في شرح الأصول والروضة (للمولى صالح المازندراني)، ج3، ص236.

[15] كتاب العين، ج8، ص306.

[16] معجم مقاييس اللغة، ج2، ص472.

[17] المفردات، ص374 و375.

[18] الكافي، ج3، ص123.

[19] الكافي، ج1، ص19

[20]  وأخبار النهي عن التفسير بالرأي مشهورة، فلاحظ: تفسير العياشي، ج1، ص17.

[21] نظير ما روي في الكافي، ج1، ص56، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: >قلت لأبي الحسن الأوّلg: بما أوحّد الله؟ فقال: يا يونس، لا تكوننّ مبتدعاً، من نظر برأيه‏ هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّهe ضلّ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيّه كفر<.

[22] الكافي، ج7، ص109.

[23] الكافي، ج4، ص293.

[24] ينظر: الكافي، ج4، ص291.

[25] الكافي، ج4، ص83 و84.

[26] الكافي، ج1، ص55.

[27] الكافي، ج3، ص407.

[28] الكافي، ج1، ص58.

[29] الكافي، ج1، ص56.

[30] الكافي، ج1، ص248.

[31] الكافي، ج8، ص146، ومثله: ج8، ص7.

[32] الكافي، ج8، ص5.

[33] وقد أشير إلى هذا المعنى العامّ في الوافي، ج1، ص255.

[34] الكافي، ج1، ص57 و58.

مشاركة: