قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

ما هو تقييمكم لما اتخذه السيد البروجردي من منهج وطريقة في ذكر الكثير من السقط الموجود في الإسناد المذكور في الكتب الحديثية، فمثلاً: نرى الحديث ظاهر الاتصال، ولكن عندما يُراجع كلام السيد البروجردي نراه يشير بأنّ هذا السند أو ذاك فيه سقط، وأنّ الرواية مرسلة.

فهل من الممكن أن يقال: بأنّ التمسك بظاهر السند أولى من اتباع هذه الطريقة، التي قد تسبّب عدم الوثوق بالأسانيد التي ظاهرها الاتصال والصحة؟


بسم الله الرحمن الرحيم

من شرائط الحكم بصحة الحديث عند المتأخرين إحراز اتصال السند، ولذا عرّف أهل الدراية السند الصحيح بقولهم: >هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميعه<[1]، واتصال السند ليس شرطاً في اتصاف السند بالصحة حصراً، بل هو شرط أيضاً في اتصافه بالحُسن والتوثيق. واعتبارهم اتصال السند إنّما هو لأجل الاحتراز عن الأحاديث المرسلة والمقطوعة والمعضلة.

هذا، وقد نبّه أهل الدراية على ما يسمّى بالحديث المعلَّل، وقال الشهيد الثانيS: >ومعرفته من أجلّ علوم الحديث وأدّقها، وهو: ما فيه أسباب خفية غامضة قادحة فيه في نفس الأمر، وظاهره السلامة منها، بل الصحة. وإنّما يتمكّن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطريق الحديث، ومتونه، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك<[2].

إذا عرفت هذا، فما سلكه السيد البروجرديS لا يخرج عن إعمال خبرة في تشخيص الأحاديث المعلّلة من جهة الخلل الواقع في السند، وهو أمر عقلائي بيّن، لا سيّما فيما لو اخترنا في علم أصول الفقه أنّ المناط في حجيّة الخبر على الوثوق النوعي أو الشخصي، وأنّ أحد طرق الوثوق رواية الثقة عن مثله مع الاتصال، إلّا أن يكون المرسِل ممن عرف بأنّه لا يروي ولا يُرسل إلّا عن ثقة.

ويمكن أن يذكر لهS نماذج واضحة تعرف بأدنى مراجعة، كملاحظة الروايات[3] التي ورد في ظاهرها رواية للحسن بن محمد بن سماعة (م263هـ ق)[4] عن عبد الله بن مسكان (المتوفى في أيام الإمام الكاظمg يعني قبل 183هـ ق)[5]، فإنّ معرفتنا بالطبقات مع ملاحظة الأسانيد يوجبان الوثوق بوقوع سقط في السند، بل وتعيينه بالحسين بن هاشم أو صفوان بن يحيى.

هذا، وقد حاول السيد البروجرديS تنظيم هذه المسألة على أساس الطبقات، مع التأكيد على أنّ الأمر ليس بنحو الدقّة العقلية التي لا تختلف ولا تتخلّف، بل بناؤها على الغلبة، فقال: >واعلم أنّ رجال الشيعة الإمامية، بل المسلمين، بحسب تلمذة بعضهم لبعض تنقسم إلى طبقات، ويراعى في ذلك الغلبة والكثرة، ويبتدأ بصحابة النبيe، فصحابته الآخذون منه كلّهم من الطبقة الأولى. والتابعون الذين أخذوا من الصحابة وتلمذوا لهم طبقة ثانية. وتابعوا التابعين طبقة ثالثة، والغالب فيه أخذ الحديث من النبيe بواسطتين. وتلامذة الطبقة الثالثة طبقة رابعة، والأغلب في روايتهم عنهe وجود ثلاث وسائط، وهو أصحاب الباقرg، كزرارة ومحمد بن مسلم وأمثالهما. وتلامذة هذه الطبقة طبقة خامسة، وهم أصحاب الصادق والكاظمh، وقد تكثروا من الرواية عن الطبقة الرابعة... وتلامذة هذه الطبقة طبقة سادسة، أصحاب الرضاg، ومنهم مؤلفو الجوامع الأوّلية كعلي بن الحكم، وابن أبي عمير، والبزنطي، والحسن بن علي بن فضّال، والحسن بن محبوب وأمثالهم. وتلامذة هذه الطبقة طبقة سابعة... وعلى هذا الحساب يكون الكليني وابن أبي عقيل من الطبقة التاسعة، والصدوق وابن الجنيد من العاشرة، والمفيد من الحادية عشرة، وشيخنا أبو جعفر الطوسي من الثانية عشرة، وابن إدريس وابن حمزة من الخامسة عشرة، والشهيد الثاني من الرابعة والعشرين، ونحن من السادسة والثلاثين<[6].

وأكّد على أنّ أهل كلّ طبقة ينقسمون إلى صغار وكبار، فقد يدرك شخص أهل طبقتين، فقالS: >وليعلم أنّ كلّ طبقة تنقسم إلى صغار وكبار، وأنّه قد يكون رجل واحد لطول عمره مدركاً لطبقتين كالحمادين، فإنّهما من الخامسة وقد أدركا السادسة أيضاً. وعليك بالدقّة في أسانيد الروايات المروية عن النبيe والأئمةi حتى تطلع على طبقات الرواة وبذلك تقدر على تمييز الأسانيد المرسلة بحذف الوسائط<[7].

وقد طبّقS فكرة كبار الطبقة على سيف بن عميرة، فقال عند الحديث عن رواية يرويها محمد بن عبد الحميد عن سيف بن عميرة: >وابن عبد الحميد من الطبقة السابعة، وسيف بن عميرة من الطبقة الخامسة، وحينئذٍ فربما يستبعد رواية عنه، ولكن ابن عميرة كان من المعمّرين وأدرك الطبقة السابعة، فلا يبعد رواية ابن عبد الحميد عنه<[8].

وكيف كان، فما نريد التنبيه عليه أنّ السيّد البروجرديS لم يتعبّد بالطبقات دائماً، بل يعترف بإمكان تجاوزها في بعض الموارد، وأنّ بناء الطبقات على الغلبة، ومن لاحظ مجموع الأسانيد المتعارفة قد يجد صحة تطبيقاتهS.

مثلاً استشكلS في الأسانيد التي ظاهرها رواية ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم بلا واسطة، فقال تعليقاً على بعض تلك الأسانيد: >واعلم أنّه سقطت الواسطة بين ابن أبي عمير ومحمد بن مسلم في سند الرواية؛ لأنّه لا يمكن أن يروى بحسب الطبقة ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم بلا واسطة<[9].

وما ذكره قريب من جهة أنّ محمد بن مسلم توفي في سنة 150 هـ ق[10]، وابن أبي عمير توفي في سنة 217هـ ق[11]، ويبعد أن تقع الرواية عنه بلاواسطة، ومن لاحظ أخبار ابن أبي عمير التي يرويها عن محمد بن مسلم يجد الواسطة موجودة في الغالب ، وجملة منهم ممن عرف بملازمته لابن أبي عمير من أمثال العلاء بن رزين، وإبراهيم أبي أيوب الخزاز، وعمر بن أذينة.

وممّا يؤكّد هذا المعنى أنّه قد روى الشيخ أبو جعفر الطوسيS في التهذيب بسنده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرg: >في الرجل يشتري الجارية فيعتقها...< [12].

وقد روى الشيخ عين هذا الحديث في الاستبصار، لكن مع ذكر الواسطة بين ابن أبي عمير ومحمد بن مسلم، فقال: >الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرg: في الرجل يشتري الجارية فيعتقها...<[13].


ــــــــــــــــــــــ

[1] الرعاية لحال البداية في علم الدراية، ص66.

[2] الرعاية لحال البداية في علم الدراية، ص97.

[3] التهذيب، ج2، ص245.

[4] رجال النجاشي، ص42.

[5] رجال النجاشي، ص215.

[6] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، ص42 و43.

[7] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، ص43.

[8] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، ص358.

[9] تبيان الصلاة، ج7، ص111.

[10] رجال النجاشي، ص323.

[11] رجال النجاشي، ص327.

[12] التهذيب، ج8، ص175.

[13] الاستبصار، ج3، ص361.

 

مشاركة: