قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

السؤال: ما المقصود من الوجدان الذي يكثر الاستدلال به في المسائل الأصوليّة؟ وما هو الدليل على حجيّته؟


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الوجدان في اللغة من الوجد، قال في الفراهيدي: >الوَجْد: من الحُزْن والمَوْجِدَة من الغَضَب. والوِجْدان والجِدَة من قولك: وَجَدْت الشيء، أي: أصبته<[1]، ومن هذا الثاني قوله تعالى: ﴿فَإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ[2]، و﴿وَدَخَلَ المدِينةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِهَا فوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ[3]، وقوله تعالى: ﴿إنِّي وَجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ولَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ[4].

وأمّا في الاصطلاح، فقد عدّه أهل المنطق من قسم المحسوسات التي تعدّ من القضايا البديهية، فإن كان الشيء مُدركاً بالحسّ الظاهر سمي بالمشاهدات، وإن كان مُدركاً بالحسّ الباطني سمي بالوجدانيات، كعلم كلّ واحد بجوعه وشبعه، قال بعضهم: >وهي قليلة النفع؛ لأنـّها غير مشتركة<[5]، والقصد من عدم اشتراكها أنّ الغير ربما لا يجد في باطنه ما وجده الآخر، ولعلّه السبب في توصيف القضايا الوجدانية بأنـّها غير مبرهنة [6]، وإن أمكن التنبيه عليه بجملة من الشواهد[7].

هذا، والظاهر أنـّه لا يُراد في الاصطلاح الأصولي من معنى الوجدان غير هذا، فالوجدان عندهم عبارة عن إدراك باطني لقضية من القضايا سواء أكانت القضية على مستوى العقل النظري (ما ينبغي أن يعلم) أم على مستوى العقل العملي (ما ينبغي أن يعمل)[8].

وللتأكيد هذا الفهم لا بأس بملاحظة مواطن استخدام الوجدان في كلمات الأصوليين، ونأخذ كتاب >كفاية الأصول< للآخوند الخراسانيS (م1329هـ ق) كأصل بعد أن أكثر من الاستناد إلى الوجدان في ضمن أبحاثه الأصولية، فقد استشهد بالوجدان في جملة من الموارد:

المورد الأوّل: الاستشهاد بالوجدان في جملة من المسائل اللغوية، كالبحث عن أنّ صحة الاستعمال المجازي بالطبع لا بالوضع، قال: >بشهادة الوجدان‏ بحُسن الاستعمال فيه، ولو مع منع الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه<[9]، وقد جعلS  في مبحث المجمل والمبيّن المرجع في تحديد الإجمال والبيان خارجاً الوجدان، وأنّ المسألة لا تكون برهانية[10].

وكأنّ دعوى التبادر التي يستشهد بها على الوضع كما في مبحث المشتقّ وصيغة الأمر وما شاكلها من هذا الباب، ولذا نجد أنّ كلّ شخص يدّعي التبادر على نقيض ما يدّعيه الآخر[11].

وقس عليه ما يذكر في مبحث المفاهيم حيث قد يدّعى وضع الجملة الشرطيّة للعلية المنحصرة، فيستشكل عليهم بأنّ لازمه وجود عناية المجاز عند استعمالها في غير موارد الانحصار، مع أنـّنا بالوجدان لا نشعر بعناية المجاز[12].

أقول: هذه القضايا الوجدانية، وإن كانت من حيث هي ليس إلاّ أموراً باطنية، لكن أسبابها مشتركة، فإنّ بناءها على استقراء اللغة، وفي مثله لا مانع من الاستدلال على هذا الوجدان، لا بمعنى الاستدلال على وجود الوجدان في النفس، بل بمعنى الاستدلال على سبب حصول مثل هذا الوجدان، فهو أقرب إلى التنبيه على الوجدان النوعيّ، بمعنى إبراز نكات بحيث لو لاحظها أهل اللغة لأدركوا تلك القضية الوجدانية.

 

المورد الثاني: الاستشهاد بالوجدان عند القصد لتحليل بعض الأمور النفسية، كما وقع عند الحديث عن اتحاد الطلب والإرادة، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، قال: >إذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد، ففي مراجعة الوجدان‏ عند طلب شي‏ء والأمر به حقيقة كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان؛ فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها سوى ما هو مقدّمة تحققها<[13].

ومن هذا الباب ما نقله في الكفاية عن صاحب الفصول في مسألة مقدّمة الواجب من قوله: >وصريح الوجدان قاضٍ بأنّ من يريد شيئاً بمجرّد حصول شيء آخر لا يريده إلاّ إذا وقع مجرداً عنه، ويلزم منه أن يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطاً بحصوله<[14].

ثم إنّ الشيخ الآخوندS عندما أراد الاستدلال على وجوب مقدّمة الواجب قال: >والأولى إحالة ذلك إلى الوجدان ،حيث إنـّه أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها<[15]، ثم أيّد هذا الوجدان ببعض الأمور، مما يُعطي كون الوجدان حجةً في نفسه.

وقس عليه ما صنعه عند الحديث عن تعلّق الأوامر والنواهي بالطبائع دون الأفراد، قال: >وفي مراجعة الوجدان للإنسان غنى وكفاية عن إقامة البرهان على ذلك، حيث يرى _ إذا راجعه _ أنـّه لا غرض له في مطلوباته إلاّ نفس الطبائع، ولا نظر له إلّا إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية، وعوارضها العينيّة<[16].

ومثله ما جاء عند الحديث من الاستشهاد على حصول الظنّ من القياس في بعض الأحيان[17].

 

المورد الثالث: الاستشهاد بالوجدان على بداهة إمكان تحقق بعض الأمور، كتعليق الوجوب على شرط، فقد قال في الكفاية: >المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله، فلا بدّ أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث وإلاّ لتخلّف عن إنشائه، وإنشاء أمر على تقدير كالإخبار به بمكان من الإمكان، كما يشهد به الوجدان‏<[18].

 

المورد الرابع: باب تحديد الحجج بين الموالي والعبيد، فيقال بأنّ لزوم الحركة على طبق القطع وكونه منجزاً ومعذراً مما يشهد به صريح الوجدان، فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان[19]، وقس عليه دعوى استحقاق المتجري للعقوبة، قال: >كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإطاعة والعصيان<[20]، ولاحظ ما جاء ضمن الحديث عن قبح العقاب بلا بيان[21].

وهذا المعنى هو الذي يذكره الشهيد الصدرS مكرراً عند بيانه لمسلك الطاعة، وأنّ المسألة وجدانية غير مبرهنة، قال: >وهذا من مدركات العقل العملي، وهي غير مبرهنة<[22].

 

المورد الخامس: عند الاستشهاد على تحقق أمر في الخارج، بحيث لا يحتاج إلى إثبات هذا الأمر إلى تكلّف البرهان وإقامة الشواهد، كما في العبارة المنقولة عن الفصول من قوله: >إنّا كما نقطع بأنّا مكلفون في زماننا هذا تكليفاً فعلياً بأحكام فرعيّة كثيرة لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع، ولا بطريق معيّن يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه أو قيام طريقه مقام القطع<[23].

هذا كلّ ما عثرت عليه من استشهاد لصاحب الكفايةS بالوجدان في كتابه الكفاية، وكما ترى فالوجدان بمعناه العامّ عبارة عن إدراك باطني يناسب الوجدانيات المعدودة من قسم المحسوسات، وهذا الإدراك الباطني يرجع إلى أحد أمور:

الأوّل: الخبرة الشخصية التي يكوّنها العالم المتتبع كما هو حال المسائل اللغوية، وهو من سنخ إدراك العقل النظري.

الثاني: تحليل قضية من القضايا، ويمكن أن نضمّ المورد الثاني إليها حيث يدرك الوجدان عدم وجود مانع من تحقق قضية من القضايا، بل والمورد الخامس، وكلّها ترجع إلى مدركات العقل النظري حيث يراد إحراز تحقق قضية من القضايا في نفس الأمر والواقع.

الثالث: حكم العقل العملي بما يرجع إلى الحُسن والقبح، كما في موارد استحقاق العقوبة وعدمها.

وحجيّة مثل هذا الإدراك الوجداني إن أوجب القطع، فعند كثير حجية القطع ذاتيّة أو لا أقلّ مما يستحيل الردع عنها، وإن أفاد وثوقاً فهو مبني على حجيّة الوثوق الشخصي مطلقاً أو في خصوص ما لو كان ذا مناشئ عقلائيّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  كتاب العين، ج6، ص169, ولاحظ: معجم مقاييس اللغة، ج6، ص86.

[2] التوبة، 5.

[3] القصص، 15.

[4] النمل، 23.

[5] تلخيص المحصل (المعروف بنقد المحصل)، ص12.

[6] ينظر: بحوث في علم الأصول، ج2، ص36.

[7] ينظر: المحكم في أصول الفقه، ج3، ص39.

[8] ينظر: بداية الوصول في شرح كفاية الأصول ج5، ص25 و26.

[9]  الكفاية، ص13.

[10] الكفاية، ص253.

[11] ينظر: منتقى الأصول، ج1، ص261.

[12] ينظر: بحوث في علم الأصول، ج3، ص173.

[13]  الكفاية، ص65.

[14] الكفاية، ص118، ولاحظ النقاش: ص119.

[15] الكفاية، ص126.

[16] الكفاية، ص138.

[17] الكفاية، ص327.

[18] الكفاية، ص97.

[19]  الكفاية، ص258، ولاحظ: ص276.

[20] الكفاية، ص259، ولاحظ: ص268.

[21] ينظر: الكفاية، ص343 و344.

[22] دروس في علم الأصول، ج2 / ص321.

[23] الكفاية، ص316.

مشاركة: