قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ

رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «مَا بَرَأ اللهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحمَّدٍ -صلّى الله عليه وآله-».

السؤال: كيف يُجمع بين قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ للإنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ وبين ما رُوي من أنّه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، أو ما روي من استحباب الدعاء للميت بشكل عامّ والتصدق عنه لا سيّما ليلة الدّفن، أو قضاء الصلاة والصوم والحج عنه؟


بسم الله الرحمن الرحيم

 

بيّن الله تعالى في الكتاب الكريم أنّ الأجر تارةً ينال على أساس ما وعد الله به المؤمنين من عمل صالحاً منهم[1]، كما في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً ولَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[2]، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ[3].

وأخرى على أساس ما يتفضّل به الله تعالى على خلقه، ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [4]، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [5]، ولعلّ من مصاديق هذا التفضّل ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ واللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾[6].

هذا، وقد أكّد القرآن الكريم في مجموع آياته على أنّ الإنسان لا يحاسب في يوم القيامة إلاّ بلحاظ عمله حصراً، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ولاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ[7]، وقال أيضاً: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين[8]، ومن الأصول القرآنية الواضحة: أن لا تزر وازرة وزر أخرى، فقال تعالى: ﴿ولاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[9]، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[10]، وذكرت هذه القاعدة في غيرها من الآيات[11]، ومنها ما في الآية المذكورة في السؤال، حيث قال تعالى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى [12].

وما نريد التأكيد عليه، أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىلوحظ فيه جنبة ما يستحقّ بالعمل على أساس ما وعد أو أوعد الله تعالى عبيده، وإلاّ فباب التفضّل مفتوح، وقديماً قيل: ليس له بالعدل إلاّ ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله.

إذا عرفت هذا، فما يطرح من نصوص يدّعى مخالفتها لتلك القاعدة يمكن أن يقسّم إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: ما جاء في جملة من الأخبار من أنّه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، وقد جمع جملة منها في الكافي، منها ما جاء في معتبرة هشام بن سالم عن أبي عبد اللهg قال: >ليس يتبع الرّجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصالٍ، صدقةٌ أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسنّة هدًى سنّها فهي يعمل بها بعد موته، أو ولدٌ صالحٌ‏ يدعو له<[13]، ومثله ما جاء في معتبرة عبيد الله بن عليّ الحلبي[14]، وفي رواية محمد بن عليّ بن أبي شعبة الحلبي ورد التعبير بـ>ولدٌ صالحٌ يستغفر له< بدل >يدعو له<[15].

والأخبار في هذا المعنى كثيرة في مصادر الحديث[16].

وهناك طائفة قائمة بنفسها في خصوص السنّة الحسنة والسيئة أو سنّة عدل وسنّة جور، وأنّ >من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء<[17]، وأنّ >من استنّ بسنّة جور فاتّبع، كان له مثل وزر مَن عمل به من غير أن ينقص من أوزارهم شيء<[18].

ولا تنافي بين تلك الثلاثة، وبين الستة المذكورة في رواية أبي كهمسٍ عن أبي عبد اللهg قال: >ستّةٌ تلحق المؤمن بعد وفاته: ولدٌ يستغفر له، ومصحفٌ يخلّفه، وغرسٌ يغرسه، وقليبٌ يحفره، وصدقةٌ يجريها، وسنّةٌ يؤخذ بها من بعده<[19].

ووجه عدم التنافي: أنّ النسبة بين هذا المتن وسابقه نسبة الإجمال والتفصيل، ففي السابق ذكرت الصدقة الجارية مجملة، وهنا ذكرت أمثلة للصدقة الجارية أو ما هو بحكمها من مصحف يقرأ فيه[20] والغرس والبئر.

ثم إنّ هذه المتون كما وردت من طرقنا وردت من طرق العامّة أيضاً، فقال العجلوني: >إذا مات ابن آدم ـ وفي روايةٍ الانسان ـ انقطع عمله إلّا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. رواه أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة، وزاد بعضهم على ذلك أشياء وردت في أحاديث<[21].

وكيف كان، فهذه الطائفة من الروايات داخلة في منطوق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، فإنّ الصدقة صدقته، والسنّة سنّته، فيصدق عليه عنوان ﴿مَا سَعَى﴾، وقد جرت مقادير الله تعالى على أن لا يبخس الناس أشياءهم، فمن ترتّب على صنعه الخير والصلاح ينسب إليه ذلك الصلاح، ويتبع ثواب عمله به، كما أنّ الأمر كذلك على مستوى العصيان، فيضاعف لمن أضل عن سبيل الله تعالى، قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ والْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاَهُمْ رَبَّنَا هٰؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولٰكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ[22].

ويمكن أن يفهم هذا المعنى كأصل قرآني من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين[23]، فإنّ ﴿مَا قَدَّمُواْ﴾ ينطبق على أعمالهم المباشرة، ﴿وَءَاثَٰرَهُم﴾ نتائج أعمالهم وسننهم، نظير سنّة الآباء التي يتبعها الأبناء تقليداً في قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وكَذٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ[24]؛ فإنّ الأثر بقية ما ترى من كلّ شيء[25].

وقد ورد عن الإمام الباقرg - من رواية أبي الجارود - في قوله تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّر﴾[26] قوله: «بما قدّم من خير وشرّ، ما أخّر مما سنَّ من سنّة، ليُسْتَنَّ بها من بعده. فإن كان شرّاً كان عليه مثل وزرهم، ولا يُنقَصُ من وزرهم شيءٌ، وإن كان خيراً كان له مثلُ أجورهم، ولا يُنقص من أجورهم شيءٌ<[27].

نعم، بلحاظ الولد فالمنظور إليه في الحديث ليس مطلق الولد، بل خصوص الولد الصالح، فتطبيق الآية على الولد الصالح متوقّف على أن يكون للأب دخالة في صلاح ابنه ولو بنحو الإعداد، ولا يكفي مطلق الإنجاب، ولو أريد التمسك بإطلاق الرواية فيدخل في ضمن الطائفة الثانية، لكنّه غير واضح بلحاظ السياق ونسبة الثواب إلى عمل نفس الميّت، فليلاحظ.

الطائفة الثانية: وهي نصوص كثيرة سواء في الكتاب أم السنّة، تبيّن استفادة العبد من أعمال غيره على مستوى زيادة الدرجات كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ومَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين[28]، فألحق الأبناء بالآباء مع وضوح عدم كون درجة الآباء في الجنة من سعي الأبناء، وفي الأخبار المستفيضة قضاء العبادات عن الميّت وقضاء ديونه والدعاء له وصلته بأنواع البرّ[29].

ومثل هذه الأمور المرتبطة برفع الدرجات لا تنافي ما تقدّم من كبرى  ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[30] ؛ باعتبار أنّ المذكور في الآيات بيان مناط العدل وما يتضمن الأمر والنهي من وعد ووعيد، وأمّا باب التفضّل فمفتوح كما تقدّم.

وعن الإمام الرضاg في ضمن ما كتبه للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين: >لا يأخذ الله البريء بالسقيم، ولا يعذّب الله الأطفال بذنوب الآباء ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزرَ أُخرَى﴾[31] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[32] ولله أن يعفو ويتفضّل، ولا يجوز ولا يظلم؛ لأنّه منزه عن ذلك<[33].

 ــــــــــــــــــــــــ

[1] ولن نخوض هنا في البحث الكلامي، وأنّ الثواب من رأس هل هو استحقاقي أم تفضّل، ومن شاء الاستفصال فليلاحظ: غاية المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ج3، ص482 وما بعدها.

[2] البقرة، 25.

[3] المائدة، 9.

[4] الأنعام، 133.

[5] آل عمران، 74.

[6] البقرة، 261.

[7] البقرة، 134، و141.

[8] الطور، 21.

[9] الأنعام، 164.

[10] الإسراء، 15.

[11] فاطر، 18، والزمر، 7.

[12] النجم، 38 _ 41.

[13] الكافي، ج7، ص56.

[14] الكافي، ج7، ص56.

[15] الكافي، ج7، ص56، باب ما يلحق الميت بعد موته، ح1 _ 3.

[16] فلاحظ: الكافي، ج7، ص56 و57، وأمالي (الصدوق)، ص35، والخصال، ج1، ص151، والتهذيب، ج9، ص232.

[17] الكافي، ج5، ص9 و10.

[18] المحاسن، ص27، ولاحظ: ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص132.

[19] الكافي، ج7، ص57، وقريب منه ما في الخصال، ج1، ص323.

[20] كما في متن رواية الخصال.

[21] كشف الخفاء، ج1، ص99.

[22] الأعراف، 38.

[23] يس، 12.

[24] الزخرف، 22 و23.

[25] كتاب العين، ج8، ص236.

[26] القيامة، 13.

[27] تفسير القمي، ج2، ص397 و398.

[28] الطور، 21.

[29] ينظر على سبيل المثال ما جمعه الحرّ العامليS في وسائل الشيعة، ج2، ص443، باب: استحباب الصلاة عن الميت والصوم والحج والصدق والبر والعتق عنه والدعاء له والترحم عليهم وجواز التشريك بين اثنين في ركعتين وفي الحج، وج11، ص196، باب: استحباب التطوع بالحج والعمرة والعتق عن المؤمنين خصوصاً الأقارب أحياءً وأمواتاً، وعن المعصومين أحياءً وأمواتاً.

[30] النجم، 39.

[31] الأنعام، 164.

[32] النجم، 39.

[33] عيون أخبار الرضاg، ج2، ص125.

مشاركة: